اللغة العربية

أسعار الحليب تواصل الارتفاع في إسرائيل

بعد ثلاث سنوات على تقرير مراقب الدولة الذي خلص إلى أن سعر الحليب في إسرائيل من بين الأعلى في العالم، تشير المعطيات المحدثة إلى ارتفاع إضافي وتعميق الفجوة مقارنة بدول الاتحاد الأوروبي
52633

ديم أمور

تواصل أسعار الحليب في إسرائيل الارتفاع على خلفية نتائج تقرير مراقب الدولة لعام 2023، الذي أشار إلى أن السعر المحلي يُعد من بين الأعلى عالميًا. ففي حين بلغ سعر لتر الحليب الخاضع للرقابة نحو 6.2 شيكل في عام 2023، فقد وصل في عام 2026 إلى نحو 7.2 شيكل للتر، وهو ما يعكس زيادة إضافية في غلاء المعيشة في قطاع منتجات الألبان.

5626
2026

التقرير الذي نُشر عام 2023 قدّم صورة شاملة عن قطاع الألبان في إسرائيل، وأكد على مكانته المركزية في النظام الغذائي المحلي. فالحليب ومنتجاته يشكّلان مصدرًا رئيسيًا للبروتين الحيواني والكالسيوم في النظام الغذائي الإسرائيلي المتوسط، فيما تقوم الدولة بتخطيط هذا القطاع على امتداد سلسلة الإنتاج منذ ما قبل قيام الدولة.

يتم هذا التخطيط من خلال الإشراف على حصص الإنتاج لمربّي الأبقار، وتحديد السعر المستهدف للتر الحليب الخام، وضبط حجم الاستيراد، والرقابة على أسعار منتجات الألبان الخاضعة للتسعير للمستهلك. ويستند التنظيم القانوني أساسًا إلى قانون تخطيط قطاع الحليب لعام 2011، إضافة إلى الأنظمة والأوامر الصادرة بموجبه.

بين عامي 1998 و2022، وُقّعت خمسة اتفاقيات ونُفّذت عدة إصلاحات في قطاع الألبان بين الدولة ومنظمات المنتجين. وفي إطار ذلك، تقلّص عدد المزارع، بينما ازداد عدد الأبقار في كل مزرعة. وفي الوقت نفسه، انخفض السعر المستهدف مقارنة بالتقديرات التي كانت متوقعة لولا الإصلاحات، وقدّمت الحكومة منحًا لتحسين الكفاءة وتعويضات تقاعد للمزارعين.

تشير البيانات الأساسية الواردة في تقرير مراقب الدولة إلى فجوات كبيرة بين إسرائيل ودول الاتحاد الأوروبي. فقد قُدّر سعر الحليب الخام في إسرائيل بنحو 62.04 يورو لكل 100 كيلوغرام، أي ما يقارب 219 شيكلًا، وهو أعلى بنحو 24% من المتوسط الأوروبي الذي بلغ نحو 50.17 يورو لكل 100 كيلوغرام.

كما سُجّلت فجوة ملحوظة على مستوى السعر للمستهلك: إذ قُدّر سعر لتر الحليب العادي في إسرائيل بنحو 1.81 دولار، أي حوالي 6.2 شيكل، مقارنة بمتوسط قدره نحو 1.02 دولار في دول الاتحاد الأوروبي، أي بفارق يقارب 77%.

وبحسب بيانات التقرير، بلغ عدد الأبقار الحلوب المسجّلة في إسرائيل عام 2021 نحو 118,611 بقرة، فيما وصل متوسط استهلاك الحليب ومنتجاته إلى 161 لترًا للفرد سنويًا. وفي العام نفسه، أُنتج في إسرائيل نحو 1.54 مليار لتر من الحليب الخام، فيما بلغ حجم واردات منتجات الألبان نحو 169 مليون دولار.

وفي عام 2021، كان في إسرائيل نحو 686 مزرعة ألبان، منها 440 في مناطق ذات أولوية وطنية. وبلغ متوسط إنتاج الحليب لكل بقرة 12,003 كيلوغرامات سنويًا، وهو الأعلى عالميًا. وقد أُنتج نحو 41.2% من الحليب في مزارع القطاع العائلي، فيما تركز بقية الإنتاج في القطاع التعاوني.

التدقيق الذي أُجري بين أكتوبر 2021 ونوفمبر 2022 في وزارة الزراعة، ومجلس الألبان، وهيئات حكومية أخرى، تناول آليات تحديد السعر المستهدف، وتأثير متطلبات الكشروت، والرقابة على رفاهية الحيوانات.

ومن أبرز النتائج ارتفاع سعر الحليب الخام في إسرائيل بنحو 24% فوق المتوسط الأوروبي. ومن بين أسباب هذه الفجوة أن تكلفة الأعلاف للأبقار في إسرائيل أعلى بنحو 33.3% مقارنة بدول الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى تأثير الظروف المناخية والاختلافات في آليات الدعم الحكومي.

كما أشار التقرير إلى أوجه قصور في آلية تحديد السعر المستهدف. إذ يُحدَّد السعر استنادًا إلى مسح يُجرى كل عامين بواسطة لجنة توجيه عبر مزوّد خارجي، إلا أنه تبيّن عدم وجود رقابة كافية على منهجية المسح، وصحة البيانات، ودقة الحسابات.

وتبيّن أيضًا أن نحو 22% من المزارع المختارة للعينة رفضت المشاركة في المسح، لعدم تنظيم إلزامية المشاركة قانونيًا. وقد يؤدي هذا المعدل من الرفض، بحسب التقرير، إلى المساس بموثوقية النتائج التي تُستخدم أساسًا لحساب السعر.

إضافة إلى ذلك، أشار التقرير إلى مشكلة في احتساب تكلفة أجور المزارعين. فمع أنهم يعملون في القطاع الزراعي، جرى احتساب أجورهم في المسح وفق متوسط الأجور العام في الاقتصاد، وهو أعلى بكثير من متوسط الأجور في الزراعة، ما أثّر في السعر المستهدف.

كما ذُكر أن مزارع القطاع العائلي كانت في المتوسط خاسرة على مدار السنوات، في حين أظهرت مزارع القطاع التعاوني ربحية أعلى، وهو فارق انعكس أيضًا على هيكل الأسعار.

وتناول التقرير كذلك بنية الدعم في قطاع الألبان. فوفق تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، بلغت نسبة الدعم غير المباشر للمزارعين في إسرائيل عام 2021 نحو 90.7% من إجمالي الدعم، رغم التزام إسرائيل عام 1995 بخفضه في إطار اتفاق تجاري دولي.

إلى جانب مسألة الأسعار، أشار التقرير إلى مشكلات إضافية، منها نقص متكرر في منتجات الألبان خلال فترة أعياد تشري. ففي عام 2021 مثلًا، سُجّل نقص بنحو 3 ملايين لتر من الحليب المبستر، أي ما يعادل نحو 9% من الاستهلاك الشهري.

كما تبيّن أن وزارة الزراعة ومجلس الألبان لا يملكان صلاحية الحصول على بيانات إنتاج حديثة ومستمرة من المصانع، ولا يستطيعان إصدار أوامر لإعادة توزيع فائض الحليب بين مصانع مختلفة.

وفي جانب رفاهية الحيوانات، قدّر المختصون أن نحو 20% من مزارع الألبان في إسرائيل تعاني من أوضاع شديدة الخطورة، غير أن الرقابة في هذا المجال وُصفت بأنها غير كافية، ولم تُسنّ أنظمة تفصيلية لازمة لمنع القسوة على الحيوانات.

وأوصى مراقب الدولة وزارة الزراعة ومجلس الألبان بتطبيق رقابة مناسبة على مسح الحليب، ومراجعة طريقة احتساب الأجور في القطاع، وتحديث آلية تحديد السعر المستهدف بما يخدم أهداف التخطيط ويسهم في خفض السعر للمستهلك.

كما أوصى بالعمل على تنفيذ توصيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والتزامات إسرائيل بالانتقال من الدعم غير المباشر إلى الدعم المباشر في القطاع، ودراسة أدوات سياسات إضافية مطبّقة في دول أخرى.

يمتاز قطاع الألبان في إسرائيل بآلية تخطيط ورقابة حكومية تمتد على طول سلسلة الإنتاج، وهو وضع قائم حاليًا، بحسب التقرير، في دولة واحدة أخرى فقط في العالم: كندا. ولسعر الحليب الخام تأثير مباشر على السعر النهائي للمستهلك وعلى مستوى غلاء المعيشة.

وتشير نتائج التدقيق إلى أوجه قصور في ثلاثة محاور رئيسية: السعر المرتفع مقارنة بالعالم، والرقابة على رفاهية الحيوانات، وضمان الإمداد المنتظم مع تقليص النقص خلال فترات الأعياد.

وفي ضوء هذه النتائج، فإن ارتفاع سعر لتر الحليب بين عامي 2023 و2026 يعيد طرح التساؤل حول فاعلية آليات الرقابة والتخطيط في القطاع، وتأثيرها المباشر على جيب المستهلك الإسرائيلي.

الصورة: Maakav