اللغة العربية

بوتين مُذَل: مُجبر على الاعتذار ودفع تعويضات لأذربيجان

اعترف الرئيس الروسي بالمسؤولية عن إسقاط الطائرة في ديسمبر الماضي التي قُتل فيها 38 شخصًا، وأعلن عن دفع تعويضات لأسر الضحايا، منهيًا أزمة دبلوماسية حادة
560515471_10162618713314915_2795496679677852789_n

ديم أمور

في اجتماع دراماتيكي عُقد اليوم في دوشانبي، عاصمة طاجيكستان، اعتذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين علنًا عن إسقاط طائرة الركاب الأذربيجانية بواسطة نظام الدفاع الجوي الروسي في ديسمبر الماضي، وأعلن أن روسيا ستدفع تعويضات لأسر الضحايا. عُقد الاجتماع مع الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف على هامش قمة إقليمية، في ظل ما يوصف بأزمة حادة في العلاقات بين البلدين، حيث كان مجرد عقد الاجتماع إشارة إلى تطورات إيجابية محتملة بعد ما يقرب من عام من التدهور المستمر في العلاقات.

وقعت المأساة عندما أصيبت طائرة ركاب تابعة لشركة الطيران الأذربيجانية، على متنها 62 راكبًا وخمسة من أفراد الطاقم، بنيران مضادة للطائرات روسية وتحطمت. قُتل 38 من الركاب في الكارثة. منذ ذلك الحادث المأساوي، رفضت روسيا قبول المسؤولية الكاملة والالتزام بدفع تعويضات، خلافًا للمطالب المتسقة للرئيس الأذربيجاني. صعّدت الأزمة العلاقات بين البلدين إلى أدنى نقطة لهما منذ سنوات.

561828025_10162618695864915_704152271984011496_n

في افتتاح الاجتماع في دوشانبي، اختار بوتين أن يبدأ بالموضوع الأكثر حساسية. قال إنه يريد أن يبدأ الاجتماع بمأساة الطيران التي وقعت في الأجواء الروسية. ذكر بوتين أنه في المكالمة الهاتفية الأولى بعد الكارثة، لم يعتذر فقط عن المأساة، بل عبّر أيضًا عن تعازيه الصادقة لأسر الضحايا. الآن، شدد، يريد تكرار ذلك وإضافة أن روسيا قدمت كل مساعدة ممكنة للتحقيق.

فصّل الرئيس الروسي ما يدّعي أنها ظروف الكارثة، مشيرًا إلى أن التحقيق يقترب من نهايته والآن يمكن مناقشة أسباب المأساة بشكل عام. وفقًا له، السبب الأول للحادث هو أن الطائرات الأوكرانية بدون طيار كانت في السماء في ذلك الوقت. ادعى بوتين أن روسيا كانت تتعقب ثلاث طائرات بدون طيار من هذا القبيل عبرت الحدود الروسية ليلة المأساة. السبب الثاني، كما قال، يكمن في الأعطال التقنية في نظام الدفاع الجوي الروسي نفسه.

بتفاصيل غير مسبوقة، استمر بوتين وشرح أن الصاروخين اللذين أُطلقا لم يصيبا الطائرة مباشرة، لأنه لو حدث ذلك، لكانت الطائرة قد تحطمت في المكان. انفجر الصاروخان، ربما دمرا نفسيهما، على بعد عدة أمتار من الطائرة، ربما عشرة أمتار منها. نتيجة لذلك، تضررت الطائرة، ولكن ليس بشكل أساسي من الرؤوس الحربية بل على ما يبدو من شظايا الصواريخ نفسها. هذا هو السبب، أوضح بوتين، في أن الطيار اعتبره تصادمًا مع سرب من الطيور، الذي أبلغ عنه لمراقبي الحركة الجوية الروس، وكل هذا سُجل فيما يُسمى بالصناديق السوداء.

واصل الرئيس الروسي وأشار إلى أن الطيار تلقى نصيحة، تُسمع بوضوح في تسجيلات الصناديق السوداء، بالهبوط في محج قلعة، لكنه اختار العودة إلى مطاره الرئيسي ثم إلى كازاخستان. على الرغم من كل هذه التفسيرات، شدد بوتين، تظل الحقيقة قائمة. فصّل أن جميع أسباب المأساة مدرجة في الوثائق المُعدة بعد تحليل شامل للخصائص التقنية لما حدث، والتحقق ثانية بثانية من نتائج الصندوق الأسود.

في أكثر نقطة حاسمة في ملاحظاته، أعلن الرئيس الروسي أن كل ما هو مطلوب في مثل هذه الحالات المأساوية سيتم إنجازه من قبل الجانب الروسي من حيث التعويض، وسيتم فحص تصرفات جميع المسؤولين قانونيًا. هذا إعلان علني لا لبس فيه بأن روسيا ستدفع تعويضات لأسر المتضررين من الحادث، تمامًا كما طالب الرئيس الأذربيجاني لما يقرب من عام، وقوبل حتى وقت قريب برفض مطلق من موسكو.

رد الرئيس علييف على كلمات بوتين ببيان تضمن كلاً من الامتنان والتشديد على الأهمية التي يوليها لتعامل بوتين مع الموضوع. أولاً، عبّر عن شكره للاجتماع، وذكر أن لديهم محادثة قصيرة في بكين وقبل يومين فقط اتصل ببوتين في عيد ميلاده. اغتنم الفرصة لتهنئة بوتين مرة أخرى وتمنى له ولعائلته والشعب الروسي كل الخير.

عبّر علييف عن شكر خاص للمعلومات المفصلة التي تلقاها بشأن مأساة ديسمبر الماضي. ذكر أنهم كانوا على اتصال فورًا بعد الكارثة. في ذلك اليوم المأساوي، عندما كان يطير إلى اجتماع في سانت بطرسبرغ وعلم بالحادث، اتصل ببوتين مباشرة من الطائرة وعبّرا عن تعازيهما. شكر الرئيس الأذربيجاني بوتين على إشرافه الشخصي على الوضع، مشيرًا إلى أنه نظرًا لأنهم تبادلوا الآراء مرارًا وتكرارًا وأعضاء فريقيهما على اتصال مستمر، أشرف بوتين شخصيًا على التحقيق. وفقًا له، لم يكن لدى أذربيجان أي شك في أن التحقيق سيحل كل شيء بموضوعية، ولذلك أراد مرة أخرى التعبير عن امتنانه لأن بوتين رأى أنه من المناسب معالجة هذه القضية في اجتماعهم.

يمثل هذا التطور الدبلوماسي نقطة تحول كبيرة في العلاقات بين البلدين، اللذين كانا تحت توتر شديد منذ الكارثة. حقيقة أن قلة من قادة العالم قادرون على جعل بوتين يعتذر علنًا ويوافق على دفع تعويضات، والرئيس علييف تمكن من تحقيق ذلك. يشير التطور إلى المكانة الإقليمية المتصاعدة لأذربيجان، بدعم تركي، وإلى الوضع المعقد الذي تجد فيه روسيا نفسها في ظل الحرب في أوكرانيا وتداعياتها على مكانتها الإقليمية في القوقاز وآسيا الوسطى.

مجرد عقد الاجتماع في دوشانبي أشار إلى وجود تطورات إيجابية بين البلدين، بعد ما يقرب من عام من الغضب الأذربيجاني تجاه روسيا. خلقت الأزمة الحادة في علاقات البلدين منذ أن أسقط الروس طائرة الركاب الأذربيجانية بنيران مضادة للطائرات في ديسمبر الماضي توترًا دبلوماسيًا كبيرًا. الآن، يبدو أن الجانبين وجدا طريقة للمضي قدمًا، مع اعتراف روسي بالمسؤولية والتزام بالتعويض المالي.

يُظهر الاجتماع التعقيد الجيوسياسي للمنطقة والتوازنات الدقيقة بين القوى الإقليمية. روسيا، التي تواصل القتال في أوكرانيا وتواجه عواقب اقتصادية وسياسية، مضطرة للحفاظ على العلاقات مع الدول المجاورة والحلفاء المحتملين في المنطقة. أذربيجان، من جانبها، تستفيد من مكانتها المتنامية في المنطقة، بدعم تركي، للمطالبة بمسؤولية روسية كاملة عن الكارثة المأساوية.

التعويضات التي تلتزم روسيا بدفعها، جنبًا إلى جنب مع اعتذار بوتين العلني، تشكل نهاية رسمية للأزمة الدبلوماسية، لكن السؤال هو ما إذا كانت ستكون كافية لاستعادة العلاقات بالكامل بين البلدين. ستحصل أسر الـ 38 قتيلاً على تعويض مالي، لكن الصدمة والألم اللذين خلفتهما المأساة لن يختفيا بسرعة. دبلوماسيًا، يسمح التطور لكلا الجانبين بالمضي قدمًا وتجديد التعاون، مع الحفاظ على الكرامة والاعتراف بالمسؤولية الروسية عن الحادث.

الصورة: ريا