اللغة العربية

كارثة في طمرة: موجة هدم منازل قاسية تهدّد بتشريد آلاف المواطنين

بعد 60 عامًا في منازلها، تواجه عائلات في مدينة طمرة خطر هدم بيوتها بموجب أوامر صادرة عن سلطات الدولة. ويرى رئيس بلدية طمرة، موسى أبو رومي، أن هذه الخطوة تمثّل قرارًا سياسيًا اتخذته الحكومة الإسرائيلية، محذّرًا من كارثة إنسانية محتملة
Coffee Inspirational Meme (52)

ديم أمور

تعيش مدينة طمرة في الجليل الأسفل على وقع مأساة إنسانية خطيرة، وسط مؤشرات تنذر بأزمة سياسية وإنسانية حادّة، على خلفية سياسة هدم المنازل. وفي صلب هذه الأزمة تقف قرارات اتخذتها الحكومة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، تقضي بإصدار أوامر هدم بحق منازل سكنية تعود لمواطنين في الدولة، رغم أن بعضها شُيّد قبل 30 أو 40 أو 50 عامًا، بل وحتى قبل 60 عامًا.

وتأتي موجة الهدم الحالية رغم أن الحديث يدور، بحسب المعطيات المطروحة، عن منازل حصلت في حينه على الموافقات والتصاريح المطلوبة من البلديات والسلطات المحلية، فيما واصل أصحابها طوال عشرات السنين دفع الضرائب والرسوم المستحقة للدولة بصورة قانونية، بما فيها ضريبة الأملاك البلدية «الأرنونا»، وفواتير الكهرباء والغاز والمياه.

ووفقًا للوضع القائم الذي استمر لعقود طويلة، فإن هذه المنازل تعود لمواطنين اشتروا الأراضي بصورة قانونية تمامًا. وعند شراء الأراضي، قبل نحو 50 إلى 60 عامًا، كانت بحوزة السكان اتفاقيات وموافقات صريحة تتيح لهم إقامة منازلهم عليها.

لكن اليوم، ومع تعاقب الحكومات وتغيّر السياسات، يجد هؤلاء المواطنون أنفسهم أمام واقع جديد تُلغى فيه تلك التفاهمات والاتفاقيات عمليًا، ليواجهوا خطر فقدان منازلهم، بينما يحملون بأيديهم أوامر الهدم.

250523

وفي قلب هذا الصراع تبرز إشكاليات قانونية وعقارية معقّدة تتعلق بأراضٍ خاضعة لإدارة سلطة أراضي إسرائيل.

وتُعرف هذه الأراضي بأنها العقارات التي تديرها سلطة أراضي إسرائيل (רמ"י)، وهي الهيئة الحكومية المسؤولة عن إدارة أراضي الدولة، ولا سيما الأراضي المملوكة لدولة إسرائيل، وسلطة التطوير، والصندوق القومي اليهودي «كيرن كييمت ليسرائيل».

تعقيدات قانونية وحقوق نشأت عبر عقود من الاعتماد على الواقع القائم

وللمقارنة، تسيطر دولة إسرائيل منذ عام 1967 على أراضٍ لا يزال وضعها القانوني والسياسي موضع خلاف دولي.

ففي هضبة الجولان، فرضت إسرائيل قوانينها عام 1981، رغم أن مجلس الأمن الدولي اعتبر، بموجب القرار رقم 497، أن هذه الخطوة لا تتمتع بأي شرعية قانونية دولية.

وفي الضفة الغربية أيضًا، تمارس إسرائيل سيطرة فعلية على الأرض، في حين تعتبر الأمم المتحدة المنطقة أرضًا محتلة. وفي المقابل، تستند إسرائيل في تبرير مواقفها إلى اعتبارات تاريخية وقانونية وأمنية.

ولا تهدف هذه المقارنة إلى حسم الخلاف السياسي أو القانوني، بل إلى تسليط الضوء على مبدأ جوهري:

حتى الدولة ذات السيادة قد تتعامل أحيانًا مع واقع قانوني معقّد، تتباين فيه الأوضاع القائمة على الأرض، أو ما يُعرف بـ«الأمر الواقع» (De Facto)، مع الاعتراف القانوني والدولي.

فمجرد وجود خلاف قانوني لا يلغي ضرورة دراسة الظروف التاريخية، ومدى اعتماد الناس على واقع استمر لعقود، والتبعات الإنسانية المترتبة على القرارات التي تُتخذ بشأنهم.

ومن منطلق احترام دولة إسرائيل ومؤسساتها وقراراتها، ومن دون الخوض في الخلافات السياسية أو إصدار أحكام بشأن الطرف المحق والطرف المخطئ، إذ قد يكون موقف الدولة مبررًا من الناحية التاريخية أو القانونية أو الأمنية حتى عندما لا يحظى باعتراف دولي، فإن الغاية من هذه المقارنة ليست التشكيك في صلاحيات الدولة أو سلطتها.

بل إن الهدف هو التأكيد على أن تطبيق القانون يجب أن يأخذ بالحسبان الظروف التاريخية، والواقع الذي استمر عشرات السنين، ومصير المواطنين الذين قد يجدون أنفسهم فجأة بلا سقف يحميهم.

وفي هذا السياق، يُطرح سؤال بالغ الأهمية بشأن أوامر الهدم الصادرة عام 2026 بحق منازل سكنية في طمرة، يُقال إن بعضها بُني قبل نحو 60 عامًا، وكانت بحوزة أصحابها موافقات تتناسب مع الأنظمة المعمول بها آنذاك.

كيف يُعقل أن تبقى هذه المنازل قائمة طوال عشرات السنين من دون المطالبة بهدمها، ثم يُطلب اليوم من العائلات هدم بيوتها بأيديها؟

وإذا كانت الموافقات قد صدرت بالفعل في الماضي، فلا بد من فحص صلاحيتها وآثارها القانونية قبل اتخاذ إجراءات لا رجعة فيها.

إنها مأساة إنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

تخيّل إنسانًا وُلد في بيت، وترعرع بين جدرانه، وربّى أبناءه فيه، وربما ورثه عن والده وجدّه، ثم يجد نفسه فجأة في مواجهة الدولة بكل ما تملكه من سلطات وصلاحيات، وهي تطالبه بهدم منزله، من دون أن توفر له، وفقًا لما يُطرح من ادعاءات، أي حل سكني بديل.

وبالنسبة إلى هؤلاء السكان، لا يتعلق الأمر بهدم مبنى من الإسمنت والحجارة فحسب، بل بمحو بيت عائلي احتضن أجيالًا، وذكريات تراكمت على مدى عقود، وشعور بالأمان والاستقرار الوجودي الذي بُني عبر السنين.

فالدولة ليست مجرد جهة لإنفاذ القانون، بل تتحمل أيضًا مسؤولية تجاه مواطنيها الذين يدفعون الضرائب ويلتزمون بواجباتهم القانونية.

وحتى عندما تمتلك السلطات صلاحية قانونية لإصدار أمر هدم، فإن ممارسة هذه الصلاحية تستوجب فحص مبدأ التناسب، والظروف الشخصية، والاعتماد المشروع على واقع استمر سنوات طويلة، فضلًا عن العواقب الإنسانية.

فسيادة القانون لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على هدم منزل، وإنما أيضًا بمدى مسؤوليتها في التأكد من أن هذا الهدم مبرر، ومتناسب، وعادل تجاه البشر الذين يعيشون فيه.

المقابلة الحصرية: رئيس بلدية طمرة موسى أبو رومي يتحدث

أجرت هيئة تحرير موقع Maakav الإخباري مقابلة خاصة وحصرية، هي الأولى من نوعها، مع رئيس بلدية طمرة، السيد موسى أبو رومي.

وتكشف هذه المقابلة المهمة عن تفاصيل صادمة ومقلقة بشأن مستقبل المدينة وسكانها، وترسم صورة قاتمة لما قد ينتظر آلاف العائلات.

5252255555

ويظهر رئيس البلدية، الذي يخوض نضالًا عنيدًا دفاعًا عن أهالي مدينته، بوصفه شخصية محلية تقف في الصفوف الأمامية للمواجهة، محاولًا التصدي لما يراه كارثة إنسانية تهدّد طمرة.

وفي حديثه عن الخلفية التاريخية للمنازل المهددة بالهدم، أوضح أبو رومي أن السكان شيّدوا بيوتهم قبل نحو 50 إلى 60 عامًا، بموافقة الدولة وبعلمها.

لكن اليوم، بحسب أقواله، تأتي سلطة أراضي إسرائيل إلى هذه المنازل وتقرر هدمها، وتوجّه إلى أصحابها إنذارات بالإخلاء والهدم.

وأعرب رئيس البلدية عن استغرابه الشديد من هذه السياسة، متسائلًا عن المنطق الكامن وراء اتخاذ قرار بهدم منازل قائمة منذ عشرات السنين.

وأشار أبو رومي إلى أنه حتى عام 2022 كان هناك ما يُعرف بـ**«تسوية الحيازة»**، وهي ترتيبات تتعلق بحيازة الأراضي والعقارات.

20260728_161510

وأوضح أنه يبذل جهودًا كبيرة في الحوار مع الجهات الرسمية المختصة من أجل إعادة العمل بهذه التسوية.

وبحسب رئيس البلدية، فإن الدولة لا تقدم أي حل بديل للسكان، مؤكدًا أنه لا يستطيع فهم كيفية إخراج الناس من بيوتهم بهذه الطريقة، من دون توفير مكان آخر يعيشون فيه.

وشدّد أبو رومي على أن الحاجة الملحّة اليوم تتمثل في إعادة اتفاقية الحيازة إلى حيّز التنفيذ فورًا، وإقامة هيئة خاصة تعنى بشؤون السكان، بما يتيح لهم البقاء في منازلهم، بل وإضافة طوابق جديدة لأبنائهم وبناتهم فوق الأراضي التي يملكونها.

20260728_175718

وحذّر من أن مدينة طمرة غير مهيأة لمواجهة واقع يُلقى فيه مئات أو آلاف المواطنين في الشوارع، مؤكدًا أن هدم هذه المنازل سيعني، عمليًا، أن العائلات ستضطر إلى العيش في العراء.

وتكشف الأرقام التي عرضها رئيس البلدية حجم الخطر المحدق بالمدينة.

فبحسب تقديراته، هناك نحو 2,000 منزل سكني في طمرة قد تكون عرضة لأوامر الهدم.

واللافت أن عددًا كبيرًا من هذه المنازل يتكوّن من ثلاثة إلى أربعة طوابق، تسكن فيها أحيانًا عدة عائلات من الأسرة الممتدة نفسها، بما في ذلك الوالدان، والأبناء المتزوجون، والإخوة وعائلاتهم.

وعليه، فإن حجم الضرر المحتمل يفوق بكثير العدد الفعلي للمنازل المهددة.

ووفقًا لتقديرات رئيس البلدية، قد يجد نحو 8,000 مواطن أنفسهم بلا مأوى، ومن دون أي بديل سكني.

وأضاف أبو رومي أن الدولة لم تُبدِ اعتراضات عندما أُقيمت هذه المنازل، وأن ترتيبات كانت سارية في تلك الفترة أتاحت بناءها.

وردًا على سؤال طرحته هيئة تحرير Maakav بشأن ما إذا كان قرار هدم منازل مواطني الدولة قرارًا ذا دوافع سياسية، أجاب رئيس البلدية بأنه يرى بالفعل أن القرار سياسي.

وأكد أنه لا يفهم الهدف من إصدار أوامر هدم بحق المنازل، بدلًا من معالجة الأزمة العمرانية والتخطيطية الواسعة التي تعاني منها المدينة.

وخلال المقابلة، عرضت هيئة تحرير Maakav على رئيس البلدية نتائج العمل الميداني والجولة الصحفية التي أجرتها في طمرة.

فقد تبيّن أن أوامر الهدم وُزعت خلال فصل الصيف، مع منح السكان مهلة قصيرة لا تتجاوز 30 يومًا فقط.

وخلال هذه الفترة المحدودة، يُطلب إخلاء مبانٍ سكنية كاملة تتكوّن من ثلاثة أو أربعة طوابق، وتعيش فيها عائلات ممتدة تضم أجيالًا مختلفة.

وفي ظل هذه الظروف، يصبح حتى العثور على شقق للإيجار خلال هذه المدة أمرًا بالغ الصعوبة، ما يثير تساؤلًا جوهريًا: أي حماية تبقّت لهؤلاء المواطنين؟

وفي رده على ذلك، كشف رئيس البلدية عن حالة إنسانية مؤلمة شهدتها المدينة.

فبحسب روايته، جرى هدم منزل امرأة مسنّة تبلغ من العمر نحو 80 عامًا، وتعاني من إعاقة.

ورغم عدم امتلاكها أي مكان سكني بديل، صدر قرار قضائي بهدم منزلها، ونُفذ الهدم بالكامل.

وأكد أبو رومي أن هذه المرأة، البالغة من العمر 80 عامًا، أصبحت اليوم بلا مأوى وتعيش في الشارع.

وأوضح رئيس البلدية أيضًا أنه مع صدور كل أمر هدم جديد، لا يدرك بعض سكان طمرة أن القرار صادر مباشرة عن سلطات الدولة، وليس عن بلدية طمرة.

ونتيجة لذلك، يتوجه السكان بأعداد كبيرة إلى مبنى البلدية، بل ويصل بعضهم إلى منزل رئيس البلدية الخاص، طلبًا للمساعدة والتدخل.

غير أن المشكلة تبقى من دون حل، إذ لا تملك البلدية، بحسب توضيحاته، الصلاحية أو المسؤولية عن القرارات التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية.

وأكد أبو رومي أن ما يجري يمثل كارثة إنسانية تستوجب إيجاد حل فوري.

وفي إطار مساعيه لوقف عمليات الهدم، توجه رئيس البلدية إلى القدس لعقد اجتماع عاجل مع وزير العدل الإسرائيلي، ياريف ليفين.

وشدّد على أنه يبذل كل ما في وسعه دفاعًا عن السكان، ويسعى عبر جميع القنوات المتاحة إلى منع هدم المنازل.

ووصف رئيس البلدية المشاهد القاسية التي ترافق تنفيذ أوامر الهدم.

فبحسب أقواله، عندما تصل السلطات لهدم منزل، ترافق العملية قوات تضم نحو 400 إلى 500 شرطي، يعملون على إبعاد السكان بالقوة قبل تنفيذ الهدم.

ورغم ذلك، أكد أبو رومي أن القضية لم تنتهِ بعد، وأنه سيواصل البحث عن حلول من خلال الاجتماعات، والتوعية، والحوار المتواصل مع وزراء الحكومة والجهات الرسمية المختصة.

وستواصل هيئة تحرير موقع Maakav متابعة هذه القضية عن كثب، وإطلاع الجمهور على آخر التطورات والمستجدات.

بطاقة تعريفية: مدينة طمرة

طمرة مدينة عربية تقع في لواء الشمال، في منطقة الجليل الأسفل، على بُعد نحو خمسة كيلومترات شمال مدينة شفاعمرو، ونحو 20 كيلومترًا إلى الجنوب الشرقي من مدينة عكا.

وتبلغ مساحة نفوذها البلدي نحو 29,790 دونمًا، ويقطنها قرابة 38,000 نسمة، غالبيتهم الساحقة من العرب المسلمين، وفقًا لتقديرات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية الصادرة في آب/أغسطس 2026.

وتعود الجذور التاريخية لمدينة طمرة إلى عصور قديمة، إذ عُثر في محيطها على آثار ومكتشفات أثرية تعود إلى فترات تاريخية متعددة، من بينها الحقبتان الرومانية والبيزنطية.

وخلال العهد العثماني، كانت طمرة بلدة زراعية اعتمد سكانها على زراعة الحبوب والأشجار المثمرة والزيتون.

وفي عام 1956، أُعلن عن طمرة مجلسًا محليًا، قبل أن تحصل على مكانة مدينة عام 1996.

وتضم المدينة اليوم مؤسسات تعليمية ومراكز ثقافية ومصانع ومنشآت صناعية ومصالح تجارية محلية، وتشكل مركزًا تجاريًا وتعليميًا وثقافيًا مهمًا لسكانها وللبلدات المجاورة.

ويتولى رئاسة بلدية طمرة السيد موسى أبو رومي.

تصوير: Maakav

אהבתם שתפו :