ديم أمور
في الوقت الذي كشف فيه حكم قضائي أن مواطنة إسرائيلية نشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي منشورات تصف فيها نفسها بأنها «نازية»، لم يصدر عن عضوي الكنيست يفغيني سوفا ويوليا مالينوفسكي، من حزب أفيغدور ليبرمان، أي إدانة صريحة لهذه التصرفات. فهل بات احترام الناجين من المحرقة النازية يتراجع إلى مرتبة ثانوية؟
تثير قضية مديرة روضة أطفال من مدينة أشدود جدلاً واسعاً على المستويين القضائي والجماهيري، في حين يختار بعض أعضاء الكنيست التزام صمت لافت. وبينما يُبدي المجتمع الإسرائيلي حساسية شديدة تجاه أي تعبير عن التعاطف مع الأيديولوجية النازية أو التماهي معها، فإن ردود ممثلي حزب «يسرائيل بيتينو» على النتائج القضائية الخطيرة تثير تساؤلات بشأن موقفهم من القضية.
الحكم القضائي الذي كشف المنشورات المثيرة للجدل
بدأت القضية بتحقيق صحفي نشرته هيئة تحرير موقع «معاكاف» (Maakav) في 27 سبتمبر/أيلول 2026، عقب صدور إذن بالاطلاع على ملف قضائي كان محجوباً عن الجمهور، يحمل الرقم 2331-02-23، وذلك بقرار من القاضية عنات حولتا، نائبة رئيس محكمة الصلح في كريات غات.
ويُستدل من الحكم القضائي أن أناستاسيا رولوفِتس نوفيكوفا، المولودة في أوكرانيا، والتي حصلت على الجنسية الإسرائيلية إثر زواجها من مواطن إسرائيلي، وكانت تدير روضة أطفال خاصة تُعرف باسم «ماشينكا»، أرفقت أكثر من مرة كلمة «نازية» باللغة الأوكرانية بصورها المنشورة على شبكات التواصل الاجتماعي.
وقد وجّهت المحكمة انتقادات شديدة إلى التفسيرات التي قدمتها نوفيكوفا بشأن تلك المنشورات.
كما تناولت الإجراءات القضائية أنشطة سياسية نُسبت إلى روضة الأطفال، من بينها رفع الأعلام الأوكرانية ونشر مقاطع فيديو تتضمن تمنيات بموت الرئيس الروسي.
وفي دعوى التشهير التي أقامتها نوفيكوفا ضد مستخدمين لمواقع التواصل الاجتماعي، من بينهم إدوارد باتكيس، قررت المحكمة قبول الدعوى جزئياً فقط فيما يتعلق ببعض العبارات المسيئة، بينما رفضت الادعاءات التي حمّلت المدعى عليهم مسؤولية التهديدات أو أعمال التخريب.
ووفقاً للمادة الثالثة من قانون حظر إنكار المحرقة النازية لعام 1986، فإن نشر عبارات تمجّد الجرائم النازية أو تعبّر عن التعاطف معها أو التماهي مع مرتكبيها قد يعرّض صاحبها للعقوبات المنصوص عليها في القانون.
ورغم أن الشكاوى التي قُدمت إلى الشرطة بشأن هذه القضية أُغلقت لاحقاً، فإن مجرد نشر مواطنة إسرائيلية تدير مؤسسة تعليمية صوراً مقرونة بكلمة «نازية» يثير تساؤلات أخلاقية ومجتمعية بالغة الأهمية.
ردود تزيد التساؤلات: «لست ملزماً بالرد»
على خلفية خطورة الوقائع الواردة في الحكم القضائي، وجّهت هيئة تحرير «معاكاف» في السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2026 استفسارات صحفية مباشرة إلى أعضاء الكنيست من حزب «يسرائيل بيتينو»، الذي يتزعمه أفيغدور ليبرمان.
وكان الهدف الحصول على موقف واضح وحاسم، وإدانة لا لبس فيها لأي مظاهر تعاطف أو تماهٍ مع النازية داخل دولة إسرائيل.
غير أن الردود التي وردت من عضوي الكنيست يفغيني سوفا ويوليا مالينوفسكي أثارت تساؤلات جدية بشأن مسؤوليتهما العامة بوصفهما ممثلين منتخبين.
- عضو الكنيست يفغيني سوفا ردّ قائلاً: «لست ملزماً بالرد على كل شيء، سأحوّل استفسارك إلى المكتب الإعلامي».
- عضوة الكنيست يوليا مالينوفسكي اكتفت برد مقتضب: «توجّه إلى المكتب الإعلامي».
وعملياً، وعلى ما يبدو، ورغم الوعود بإحالة الموضوع إلى المكتب الإعلامي، الذي يُموَّل هو الآخر من خزينة الدولة وأموال دافعي الضرائب، لم تتلقَّ هيئة التحرير أي رد موضوعي أو موقف رسمي واضح.
كما لم تُفضِ الاتصالات الهاتفية المتكررة والاستفسارات اللاحقة، التي جرت بعد إرسال مستندات الحكم القضائي، إلى الحصول على إجابة فعلية.
لامبالاة تجاه الرأي العام أم عدم احترام لذكرى المحرقة النازية؟
يثير سلوك أعضاء الكنيست المنتمين إلى حزب ليبرمان تساؤلات جدية، لا سيما أنهم ممثلون منتخبون يسعون إلى نيل ثقة الناخبين، ويتقاضون رواتبهم ويستفيدون من الموارد العامة المموّلة بأموال المواطنين.
وفي دولة قامت من بين رماد المأساة التي حلّت بالشعب اليهودي، يُنتظر من كل مسؤول منتخب أن يتخذ موقفاً واضحاً وحازماً لا يقبل المساومة في مواجهة أي مظهر يرتبط بالأيديولوجية النازية.
ويثير تصرف عضو الكنيست يفغيني سوفا تساؤلات خاصة، بعدما تعهّد بإحالة استفسارنا الصحفي إلى المكتب الإعلامي، من دون أن نتلقى حتى الآن أي إجابة موضوعية بشأنه.
إن إحالة الصحفيين إلى المكاتب الإعلامية، من دون تقديم موقف واضح في مرحلة لاحقة، قد تُفسَّر على أنها تجاهل لمشاعر الجمهور والناجين من المحرقة النازية وأفراد عائلاتهم، بل وقد تُعدّ استخفافاً بالواجب العام الملقى على عاتق المسؤول المنتخب في الإجابة عن أسئلة ذات أهمية أخلاقية وتاريخية.
ومن هنا يبرز سؤال بسيط: في نهاية المطاف، هل ينتخب المواطنون عضو الكنيست يفغيني سوفا أم المتحدث الإعلامي باسمه؟
هل يعود امتناع أعضاء الكنيست عن إصدار إدانة علنية وصريحة إلى اعتبارات سياسية، أم أنه يعكس استمراراً في تجاهل واجب المساءلة والشفافية تجاه المواطنين؟
وحتى موعد نشر هذا التقرير، لم تصدر أي إدانة رسمية عن عضوي الكنيست المذكورين أو عن حزب «يسرائيل بيتينو».
ومن المقرر نشر التسجيلات المصورة والوثائق الكاملة المتعلقة بتواصل هيئة التحرير مع ممثلي الجمهور المنتخبين في وقت لاحق.
ملاحظة أخيرة:
لماذا لا نتذكر فظائع المحرقة النازية وجرائم النازيين إلا في يوم إحياء ذكرى المحرقة والبطولة؟
وهل ينبغي أن تستيقظ مواجهة النازية ومعاداة السامية ومظاهر التعاطف مع الأيديولوجيات القائمة على القتل والكراهية في يوم واحد فقط من كل عام؟
إن إحياء ذكرى المحرقة النازية ليس مجرد مراسم سنوية، بل هو التزام أخلاقي ومسؤولية مجتمعية تفرض علينا الحفاظ على الذاكرة التاريخية ومواجهة هذه الأفكار طوال أيام السنة.















