اللغة العربية

حصان طروادة في جهاز التعليم: اليسار الراديكالي يعيد هندسة جيل المستقبل على نفقة الجمهور

عبثية التمويل الحكومي: كيف تحولت ميزانية وزارة التربية والتعليم إلى قناة غير مباشرة لمنظمات اليسار المتطرف، لتتسلل إلى المدارس تحت أنف الوزير "كيش" وتصنع "جيشًا أيديولوجيًا" لجيل الغد على حساب دافعي الضرائب، ضاربةً بعرض الحائط مبدأ المساواة؟
Yellow Black Vintage Retro Books Reading Blog Banner (11)

ديم أمور

على الورق، تبدو الكلمات براقة ومستقاة من أعلى مستويات القاموس المدني: "الشفافية السلطوية"، "أخلاقيات العمل الصحفي"، و"التربية على الديمقراطية". كلمات تذيب قلوب المسؤولين، وتفتح أبواب المدارس، وتدفق أنهارًا من الميزانيات. ولكن خلف هذه العبارات المنمقة، وبعيدًا عن رادارات الإدارة الحالية لوزارة التربية والتعليم، تدار خلف الكواليس واحدة من أكثر الخطوات دهاءً وإثارة للقلق شهدتها الساحة في السنوات الأخيرة.

يُعرف وزير التربية والتعليم الحالي، "يوآف كيش"، بكونه شخصية يمينية بارزة. ومن المؤكد أنه وبيئته السياسية لم يكن ليوقعوا عن علم على "شيك مفتوح" لصالح جهات محسوبة على أقصى اليسار في الخارطة السياسية الإسرائيلية. ورغم ذلك، فإن الواقع على الأرض يروي قصة مغايرة تمامًا. إذ تتيح توليفة تنظيمية واقتصادية عبقرية، تعمل عبر ثغرات في منظومة التعليم، لمنظمات إعلامية وحقوقية من اليسار الراديكالي الوصول المباشر إلى جيل المستقبل في دولة إسرائيل، وكل ذلك بتمويل كامل من جيوب دافعي الضرائب.

وفي الوقت الذي يظن فيه الأهالي براءة أن أطفالهم يتلقون إثراءً مدنيًا موضوعيًا، يُدخل إلى المدارس في واقع الأمر "حصان طروادة" أيديولوجي، يبدو أن هدفه واحد لا ثاني له: تنشئة ورعاية الجيل القادم لليسار المتطرف، داخل "فخ" تعليمي محكم يكلف الخزينة العامة ملايين الشواكل.

الآلية المالية: كيف يلتفون على الوزير ويحلبون ميزانية الدولة؟

لفهم كيفية حدوث هذا الخداع الخطير تحت أنف وزير التربية والتعليم، لا بد من الغوص في أعماق البيروقراطية الحكومية، وتحديدًا في آلية منظومة "جيفين" (المرونة البيداغوجية والإدارية).

ميزانيات "جيفين" هي أموال عامة تأتي مباشرة من ميزانية الدولة، وتحولها وزارة التربية والتعليم إلى المدارس لمنح المديرين استقلالية في شراء البرامج، والورش، والمحاضرات، والأنشطة التعليمية من مجمع مزودين معتمد مسبقًا من قبل الوزارة.

وهنا تكمن الخدعة الكبرى:

عندما تنجح جهة خارجية في التسلل إلى المجمع المعتمد لـ"جيفين"، وتختار المدرسة شراء خدماتها، فإن الدفع لا يأتي من الجيوب الخاصة لأولياء الأمور. إن مصدر المال هو ميزانية الدولة؛ أي الأموال العامة، أموال دافعي الضرائب من اليمينيين، والمتدينين، والتقليديين، والوسطيين على حد سواء.

وبناءً عليه، فإن أي جهة تحصل على موافقة للعمل الإداري ضمن منظومة "جيفين" تحظى عمليًا بتمويل عام غير مباشر. وكلما زاد عدد المدارس التي يتم إقناعها بشراء أنشطتها، تضاعف حجم الملايين التي تتدفق إليها مباشرة من الخزينة العامة.

هذه الآلية، التي صُممت ظاهريًا لمصلحة الطلاب، تحولت في الواقع إلى ثغرة تستقطب هيئات أيديولوجية ذات أجندة واضحة. فالأهل الذين يبحثون لأبنائهم عن دورة أو ورشة عمل، يجدون نشاطًا يبدو في ظاهره "تربية على الديمقراطية" (بقيمة تقديرية تبلغ نحو 1,500 شيكل للطالب الواحد)، دون أن يدركوا أنهم يدخلون إلى المنظومة رسائل ذات صبغة سياسية حادة.

التكتل الثلاثي: ثلاث منظومات، إدارة واحدة، ولون سياسي واضح

تصبح الصورة أكثر تعقيدًا وإثارة للقلق عند فحص الهيكل التنظيمي للجهات التي تعمل وراء الكواليس. على الورق، يدور الحديث عن ثلاث وسائل إعلام منفصلة من الناحية المؤسساتية، أما في الواقع، فنحن أمام منظومة مشحمة جيدًا تتقاسم إطارًا تنظيميًا واقتصاديًا مشتركًا.

اسم الوسيلة الإعلامية مجال العمل المعلن
"العين السابعة" (ها-عين ها-شفيعيت) نقد الإعلام، الصحافة، حرية الصحافة، وأخلاقيات الإعلام.
"شفاف" (شاكوف) الشفافية السلطوية، المعلومات العامة، والتحقيقات بشأن السلطات والمؤسسات.
"المكان الأكثر سخونة في الجحيم" تحقيقات اجتماعية، سياسية، وعامة ذات طابع نشاطي (أكتيفيزم).

تظهر هذه الجهات الثلاث بمنظومات محتوى ومحررين منفصلين، غير أن تاريخها المالي يكشف عن اندماج كامل للقوى. ففي عام 2020، بدأ التعاون الاقتصادي بين "شاكوف" و"العين السابعة"، وفي عام 2022 انضم "المكان الأكثر سخونة في الجحيم" إلى هذا التحالف. وتتشارك المنظومات الثلاث اليوم إدارة موحدة ونموذج تمويل مشترك.

ويظهر فحص المصادر العلنية أن هذه المنصات الإعلامية الثلاث تعمل تحت مظلة مشتركة وتعلن عن تلقيها تمويلاً وتبرعات ودعمًا من الجمهور العام. ومع ذلك، عند الغوص في مضامينها، يصعب التغاضي عن الخط الأيديولوجي المشترك الذي يجمعها.

وتغطي المواقع الثلاثة بكثافة عالية وبعين متعاطفة للغاية أنشطة حركة الاحتجاج "إخوة في السلاح" (أخيم لنيشيك)، فضلاً عن حركات احتجاجية وشخصيات محسوبة على معسكر اليسار. ورغم أن صحفيي "العين السابعة" و"المكان الأكثر سخونة في الجحيم" يكثرون من إعداد التقارير حول الدعاوى القضائية، والفعاليات، والنشطاء المرتبطين بـ"إخوة في السلاح" دون وجود وثائق رسمية تثبت علاقات إدارة أو ملكية، فإن الأجواء العامة والأجندة واضحة لأي قارئ.

وهنا تكمن المفارقة الصارخة: ففي الوقت الذي تتبنى فيه هذه الهيئات خطًا إعلاميًا حادًا، ومحرضًا أحيانًا، وأحادي الجانب ضد حكومة اليمين وقيمها، حصل أحد أذرع هذا الثالوث – منظمة "شاكوف" – على صك الغفران الرسمي من وزارة التربية والتعليم لدخول المدارس الثانوية في إسرائيل.

"شفافية" من طرف واحد: التشهير العلني يصل إلى الصفوف الدراسية

يثير قرار وزارة التربية والتعليم بالمصادقة على أنشطة منظمة "شاكوف" ضمن برنامج "جيفين" تساؤلات أخلاقية وعامة صعبة. ومؤخرًا، استعرضت المنظمة باعتزاز الموافقة الممنوحة لها للعمل في جهاز التعليم ودخولها المرتقب إلى المدارس. وهي موافقة تتيح لها، كما سلف الذكر، جني ملايين الشواكل من أموال الدولة مقابل لقاءات مع الفتية والشباب.

ولكن هل تلتزم هذه الهيئة، التي تدعي التعليم على الأخلاق والديمقراطية وحقوق المواطن، بهذه المعايير بنفسها؟ يكشف تحقيق أجراه قسم "متابعة" (مَعاكاف) عن واقع إشكالي للغاية يتعلق بالمواد الإعلانية والتسويقية للمنظمة.

إذ يرى العديد من النقاد أنه إلى جانب الشعارات الرنانة حول الشفافية، تستخدم المنظمة أمثلة تتضمن مواطنين وشخصيات عامة بطريقة قد تُفسر على أنها إهانة علنية، وسخرية شخصية، وتشهير قبيح (Shaming). ففي إطار المواد الإعلانية والمضامين التي نشرتها المنظمة للجمهور، جرى استخدام فج لأسماء وصور شخصيات عامة مثل "هدار مختار" و"مردخاي ديفيد".

وقد تواصل قسم "متابعة" مع "مردخاي ديفيد" للاستفسار عما إذا كان قد مُنح حق الرد الأساسي، كما تقتضي الأخلاقيات الصحفية والإنسانية، قبل إدراج اسمه في المواد الإعلامية والتعليمية للمنظمة.

وجاء رد "مردخاي ديفيد" ممتلئًا بالدهشة، حيث قال:

"لم يتواصل معي أي شخص من قِبل 'شاكوف' أو الجهات المرتبطة بها على الإطلاق للحصول على تعقيب. لقد فوجئت تمامًا باكتشاف أن اسمي وصورتي يُستخدَمَان كجزء من رسائل تسويقية وتعليمية، دون أن يُطلب مني التعليق ودون إتاحة الفرصة لي لعرض روايتي للأحداث".

وأضاف ديفيد أنه ينظر إلى الأمر ببالغ الخطورة، ويدرس الموضوع في هذه الأيام للنظر في استشارة جهات قانونية بشأن خطواته المقبلة.

أما "هدار مختار"، التي أُدرج اسمها وصورتها في المنشورات ذاتها، فقد اختارت عدم التعليق على الموضوع.

إن حقيقة قيام هيئة تقدم نفسها كراعٍ لقيم الشفافية والأخلاق بالعمل عمليًا خلافًا للمبدأ المهني الأكثر جوهرية – وهو منح حق الرد ومنع إلحاق الأذى غير المبرر بالناس – يجب أن ترفع علامة تحذير حمراء فاقعة لدى كل مدير مدرسة وكل ولي أمر. وإذا كانت المنظمة تتصرف على هذا النحو في الفضاء العام، فما هي الرسائل "التربوية" التي ستنقلها للطلاب داخل جدران الغرف الصفية المغلقة؟

أين الرقابة؟ السؤال الحارق الموجه لوزير التربية والتعليم

تزداد هذه القضية حدة بالنظر إلى أن وزارة التربية والتعليم نفسها أعلنت منذ فترة وجيزة أنه سيتم تفعيل "إجراءات عمل بمرونة مخفضة" في المنظومة المدرسية للعام الدراسي الوشيك. وتعد هذه الخطوة آلية رقابة ومتابعة مشددة، ولدت بهدف معلن وهو التعامل مع الحالات التي تم فيها اكتشاف فجوات خطيرة في الإدارة السليمة للموارد العامة ضمن إطار "جيفين". ووفقًا لبيان الوزارة، فإن الهدف من هذه الخطوة هو "تعزيز الإدارة السليمة للموارد العامة وضمان أن الموارد المخصصة للطلاب تُستخدم بالفعل للأغراض التي رُصدت من أجلها".

وإذا كانت وزارة التربية والتعليم تعلن عن تشديد الرقابة، فكيف يُعقل أنه بموجب هذه التعريفات بالذات تمت المصادقة على أنشطة هيئة سياسية واضحة إلى هذا الحد؟ وكيف يتم فحص مضامين ورسائل هذه الهيئات؟ هل قام أحد في السكرتارية التربوية بفحص الجوانب القيمية والأخلاقية لأنشطة تكتل "شاكوف-العين السابعة-المكان الأكثر سخونة"؟

لا يدور الحديث هنا عن مسألة سياسية بحتة، بل عن قضية تربوية، أخلاقية ومبدئية من الدرجة الأولى. إن جهاز التعليم في دولة إسرائيل وُجد ليزود الطلاب بأدوات التفكير المستقل، والمسؤولية المدنية، واحترام الآخر، ولم يُخلق ليكون ملعبًا لمنظمات تسعى لتنشئة "جيش اليسار الجديد" برعاية ميزانيات حكومية.

وهنا يطرح السؤال الحتمي نفسه: لو كان الأمر يتعلق بهيئة من اليمين المتطرف تحاول إدخال مضامين سياسية مماثلة إلى المدارس تحت غطاء "الصهيونية والشفافية"، ماذا كان سيحدث حينها؟

يمكن القول بيقين يقارب 300 بالمئة إن الشوارع في "كابلان" كانت ستُغلق، والاحتجاجات العارمة كانت ستشل الدولة، وصرخات العويل والشكوى من "الأسرلة الدينية" (הדתה) و"غسيل الأدمغة اليميني" كانت ستتردد في جميع وسائل الإعلام المركزية إلى أن يتم إلغاء البرنامج فورًا. ولكن عندما يتعلق الأمر باليسار، فإن العجلات البيروقراطية تتحرك بهدوء، بعيدًا عن الرادارات، وبتمويل سخي من الدولة.

وزارة التربية والتعليم تستيقظ: "الموضوع قيد الفحص، والبرنامج مهدد بالإلغاء"

في أعقاب النتائج المقلقة التي تم الكشف عنها والشبهات بانتهاك حق الرد والإدارة السليمة، توجه قسم "متابعة" بشكل رسمي إلى مديرة قطاع المتحدثين الرسميين في الجناح الرفيع بوزارة التربية والتعليم. ويبدو أن المعطيات وضعت علامات استفهام صعبة أمام كبار مسؤولي الوزارة، الذين لا يرغبون في رؤية أنفسهم يمولون أجندات راديكالية.

وجاء رد رسمي وحاسم من وزارة التربية والتعليم لقسم "متابعة":

"في ضوء الادعاءات التي أثيرت في التوجه، سيتم فحص الموضوع من قِبل الجهات المهنية في الوزارة. وفي حال تبين وجود أي تجاوز للمضامين المصادق عليها أو لتعليمات الوزارة، سيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة، بما في ذلك إزالة البرنامج من مجمع برامج وزارة التربية والتعليم".

إن هذا التصريح الصادر عن وزارة التربية والتعليم يشكل خطوة أولى وهامة، بيد أن عبء الإثبات يظل قائمًا على طاولة الوزير "يوآف كيش". يحق للجمهور الحصول على إجابات واضحة وشفافة (بالمعنى الحقيقي): ما هي المعايير الدقيقة التي تمت بناءً عليها المصادقة على هذا النشاط في المقام الأول؟ وكيف تُفحص جوانب الأخلاقيات والمسؤولية العامة في مجمع "جيفين"؟

عندما يتعلق الأمر بأموال الجمهور وبصياغة وعي ونفوس أطفال إسرائيل، فإن واجب الرقابة لا يقع على مؤسسات الدولة فحسب – بل، وربما أساسًا، على تلك الهيئات التي تسعى للاستفادة من موارد الدولة في نفس الوقت الذي تعمل فيه على إضعاف قيمها من داخل المنظومة. وسيقوم قسم "متابعة" بمواصلة مواكبة هذا الفحص والتحقق من عدم استخدام أموال الجمهور كأداة للمصالح السياسية.

تعقيب هيئة تحرير "شاكوف":

توجه قسم "متابعة" إلى هيئة تحرير "شاكوف" للحصول على رد رسمي حول الحيثيات المذكورة وعن عدم تواصلهم مع مردخاي ديفيد وهدار مختار قبل نشر الحملة. وكل ما ورد من المنظومة كان رسالة تلقائية نصها: "لقد استلمنا رسالتكم ونحن نحاول الرد بسرعة فائقة!". وحتى لحظة نشر هذه السطور، لم يتم استلام أي رد موضوعي. وفي حال ورود أي تعقيب، فسينشر بالكامل.