اللغة العربية

معبد أم ميدان رماية؟ دين مُعبّأ للحرب

عندما تتجه الكنيسة إلى الجبهة: تدريبات قتالية بين جدران مقدّسة تمحو الحدود بين الإيمان والدولة والقوة العسكرية
800×400

ديم أمور

هل تحوّلت كنيسة إلى ساحة قتال؟ توثيق من أوبوخوفو يشعل نقاشاً حول تآكل الحدود بين الدين والنزعة العسكرية في روسيا.

أثار توثيق جديد من روسيا جدلاً واسعاً وأعاد إلى الواجهة النقاش حول العلاقة المتنامية بين الكنيسة الأرثوذكسية الروسية والمؤسسة العسكرية والدولة. في مقطع فيديو نُشر مؤخراً، يظهر فتيان ينتمون إلى “مركز للتربية الوطنية” وهم يستعرضون مهارات قتالية واستخداماً للأسلحة داخل كنيسة في أوبوخوفو، قرب موسكو — مشهد غير مألوف يجسّد عمق الصلة بين المؤسسات الدينية والمضامين العسكرية.

يندرج هذا الحدث ضمن توجه أوسع يشير إليه متابعون قدامى للشأن الروسي، يتمثل في تزايد التداخل بين الكنيسة الأرثوذكسية الروسية والتصورات العسكرية والرسائل القومية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك تشييد الكاتدرائية الرئيسية للقوات المسلحة الروسية، التي بُنيت بتمويل من وزارة الدفاع قرب موسكو. وقد حظي المبنى بتغطية إعلامية واسعة، ويراه منتقدون رمزاً لاندماج الدين والجيش والدولة.

إلى جانب الرمزية المعمارية، برزت أيضاً شرعنة لاهوتية للعمليات العسكرية. فقد منح بطريرك موسكو كيريل ومسؤولون بارزون آخرون في الكنيسة خلال السنوات الأخيرة دعماً علنياً لغزو أوكرانيا، الذي قُدّم في مناسبات عدة بوصفه صراعاً ذا بُعد روحي، بل وحتى “حرباً على الشيطان”. وأصبحت مباركة الجنود والمشاركة في المراسم العسكرية جزءاً من المشهد العام، فيما تلاشت الحدود بين الخطاب الديني والخطاب الحربي.

في هذا السياق، يُنظر إلى الفيديو من أوبوخوفو على أنه حالة استثنائية بشكل خاص. إذ يُظهر التوثيق شباناً يتدرّبون على فنون قتالية ويقدّمون عروضاً لاستخدام السلاح داخل مبنى كنسي. وبالنسبة لكثيرين، فإن مجرد إجراء تدريب ذي طابع عسكري في فضاء مقدّس يُعدّ تجاوزاً لخط رمزي وفكري حساس.

أندريه كوراييف، وهو مسؤول سابق رفيع في الكنيسة الروسية غادر بلاده، علّق بحدة على الظاهرة. وقال: “يمكن للمرء أن يتخيّل مريم وهي تُحضر يسوع الصغير ليتعلّم عناصر من فنون القتال والرماية بالقوس والسهم على أيدي الكهنة في المعبد… إن أعظم إساءة للمشاعر الدينية لا يرتكبها الملحدون، بل الكهنة الذين يدّعون معرفة ‘مشيئة الله’”. وتعكس تصريحاته نقداً داخلياً حاداً للعمليات الجارية داخل المؤسسة الدينية نفسها.

إن الربط بين الدين والأهداف العسكرية والدولتية ليس ظاهرة جديدة في التاريخ الروسي، غير أنه في السنوات الأخيرة اتخذ طابعاً أكثر صراحة وعلنية. فالكنيسة، التي كانت تُقدّم نفسها في السابق بوصفها مرجعية روحية وأخلاقية مستقلة، يُنظر إليها من قبل منتقدين على أنها جزء من منظومة أوسع لدعم سياسات السلطة. وأصبحت مباركة الجنود، وإقامة الطقوس الدينية داخل الوحدات العسكرية، وتقديم الصراعات الدولية بوصفها معارك ذات دلالات ميتافيزيقية، عناصر ثابتة في الخطاب العام.

كما تتركز انتقادات إضافية على التأثير المحتمل لهذه التوجهات في الجيل الشاب. فـ“مراكز التربية الوطنية” المنتشرة في أنحاء روسيا تهدف، وفقاً للبيانات الرسمية، إلى ترسيخ قيم الولاء والانضباط وحب الوطن. غير أن إقامة هذه الأنشطة داخل الكنائس ودمجها بمضامين عسكرية واضحة يثير تساؤلات حول طبيعة التربية الروحية وحدود الفصل بين الإيمان والتأهيل العسكري.

لا يمثّل فيديو أوبوخوفو سوى لمحة عن ظاهرة أوسع وأكثر تعقيداً. وبالنسبة للمنتقدين، فإنه يجسّد بوضوح كيف يمكن للدولة أن تعيد تشكيل صورة الكنيسة، وكيف أن توظيف الدين أداةً لتحقيق أهداف دنيوية قد يغيّر جوهر الإيمان نفسه. في المقابل، يرى مؤيدو هذا التوجه في الجمع بين الدين والوطنية تعبيراً طبيعياً عن هوية وطنية متماسكة.

ومهما يكن، فإن المشاهد الواردة من كنيسة أوبوخوفو تطرح سؤالاً جوهرياً حول حدود القداسة ودور الدين في الفضاء العام لروسيا المعاصرة. ويأتي هذا التوثيق ضمن سلسلة من الأحداث والتصريحات التي تؤكد أن النقاش حول العلاقة بين الدين والجيش والدولة في روسيا لا يزال بعيداً عن الحسم — وأن صداه يتردد داخل البلاد وخارجها على حد سواء.