اللغة العربية

عام بعد اغتيال نصر الله: ظل الشخصية التي لم تمت

عام بعد اغتياله: "تحت أمرك نصر الله" لا يزال يتردد في بيروت، خليفته قاسم يكافح لملء الفراغ الهائل
553748067_1375798810571303_7852738765366478423_n

 ديم عمور

مر عام كامل تقريباً منذ اغتيال الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله في 27 سبتمبر 2024، لكن حضوره الروحي والرمزي يستمر في الهيمنة على المنظمة الإرهابية وعلى مؤيديها في جميع أنحاء لبنان وخارجه. لا تزال هتافات "تحت أمرك نصر الله" تتردد في المظاهرات في جميع أنحاء بيروت وجنوب لبنان، بينما يكافح خليفته نعيم قاسم لملء الفراغ الهائل الذي تركه الزعيم الأسطوري.

نصر الله، الذي قاد حزب الله لأكثر من ثلاثة عقود، ترك وراءه إرثاً معقداً وشخصية أصبحت رمزاً بين مؤيدي المنظمة. لا تزال صوره ترفرف في المظاهرات في بيروت والضاحية، على جدران المباني وفي الأماكن العامة في قرى جنوب لبنان والبقاع ومعاقل الدعم الشيعية. تشهد هذه المشاهد على حقيقة أنه رغم مقتل جسده، فإن روحه وسلطته تستمران في العيش بين مؤمنيه.

خليف نصر الله، نعيم قاسم، العضو القديم في قيادة حزب الله منذ تأسيسه في الثمانينات، يجد نفسه في ظل طويل وثقيل. رغم أنه ألقى خطابات كثيرة منذ تعيينه أميناً عاماً، وقدم نفسه كزعيم قوي وحازم، إلا أن شعبية وسلطة سلفه لا تزالان تتفوقان على شعبيته وسلطته. في كل مظاهرة وفي كل حدث جماهيري، تتكرر الهتافات مراراً وتكراراً: "تحت أمرك نصر الله" – شهادة حية على أن القيادة الروحية لا تزال تُنظر إليها على أنها تنتمي لمن لم يعد على قيد الحياة.

شخصية نصر الله تحظى برعاية خاصة من قبل ابنه، مهدي نصر الله، الذي طور لنفسه في السنوات الأخيرة صورة كسلطة دينية. مهدي، الذي فتح قنوات على وسائل التواصل الاجتماعي ويرتدي بالضبط بنفس الطريقة التي كان يرتدي بها والده، ينجح في جذب الانتباه إليه وتسخير الحنين حول والده لبناء مكانة وتأثير لنفسه. حتى لو كان تأثيره متواضعاً بالمقارنة مع ما كان لوالده، فإنه يصبح عاملاً مهماً في الحفاظ على ذكراه.

قبيل الذكرى السنوية الأولى لاغتياله، نجح مهدي في إثارة ضجة بين معجبي والده وإرباكهم. في 10 سبتمبر ألمح إلى أنه سينشر فيديو "سيفرح محبي نصر الله"، وهذا أدى إلى شائعات على وسائل التواصل الاجتماعي بأن والده لا يزال حياً. كان الارتباك كبيراً لدرجة أنه اضطر في اليوم التالي لنشر بيان توضيحي: "حزب الله ونحن، عائلته، أوضحنا مراراً وتكراراً أنه قُتل. لا مجال للتلاعب أو التحقيقات أو الأكاذيب في هذا الموضوع". يوماً بعد ذلك نشر الفيديو الموعود وكشف عن "المفاجأة" – كتاب جديد بعنوان "ذكرياتي مع أبي"، متوفر الآن للشراء في لبنان ومتوقع أن يصدر في العراق أيضاً.

منذ الاغتيال أصبح مركزان رئيسيان في العام الماضي مواقع مرتبطة بشخصية نصر الله ومراكز حج لمؤيديه. الأول هو مكان الاغتيال في حارة حريك في الضاحية في بيروت، الذي خدم سابقاً كمقر مركزي لحزب الله. الموقع، الذي بقي في أنقاض الهجوم، أصبح مركز حج لمؤيدي المنظمة، الذين يأتون لزيارة النقطة المأساوية حيث قُتل زعيمهم. في الأشهر الأخيرة أقيمت في المكان فعاليات جماهيرية ومظاهرات دعم لمؤيدي حزب الله، إلى جانب أنقاض الهجوم التي بقيت كذكرى ملموسة لأحداث ذلك اليوم المصيري.

المركز الثاني، وربما الأهم، هو مكان دفن نصر الله – المقام الموجود بين طريقين لمطار رفيق الحريري في بيروت. أصبح المقام بسرعة مركز حج رئيسي، وليس فقط لمؤيدي حزب الله من لبنان. الموقع يجذب إليه زوار من جميع أنحاء العالم الشيعي، وأصبح رمزاً قوياً للمقاومة ضد إسرائيل والغرب.

الزيارات الرفيعة المستوى للمقام تؤكد على أهميته الجيوسياسية. أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، وصل إلى المقام في أغسطس الماضي وأعلن من هناك: "سنقف دائماً إلى جانبكم. نحن لا نتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، لكننا نؤكد دعمنا لحركات المقاومة في جميع أنحاء العالم". هذه الرسالة أرسلت بوضوح استمرار الالتزام الإيراني بدعم حزب الله حتى بعد موت نصر الله.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أيضاً جاء لزيارة المقام في زيارته للبنان في يونيو الماضي، وقال من المكان: "هزيمة إسرائيل مؤكدة. دم نصر الله سيضمن هذا النصر". هذه التصريحات تشهد على الرغبة الإيرانية في تحويل المقام إلى مركز رمزي للنضال ضد إسرائيل، واستخدام شخصية نصر الله كرمز موحد لما تسميه إيران "محور المقاومة".

المقام نفسه أصبح في وقت قصير مشكلة معقدة للحكومة اللبنانية، التي تكافح للتعامل مع الوجود الهائل للزوار ومع المكانة الفعلية التي اكتسبها المكان. التوتر حول المقام يعبر عن النضال الأوسع بين الحكومة اللبنانية وحزب الله على السيطرة في المجال العام وعلى هوية الدولة.

في الأسبوع القادم، مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى للاغتيال، تسود مخاوف في لبنان من رد فعل إسرائيلي محتمل. هناك من يقدر أن طائرات جيش الدفاع الإسرائيلي قد تكون موجودة في أجواء لبنان في هذه الأيام، كجزء من الرسائل التي تريد إسرائيل نقلها في هذه الفترة الحساسة. الخوف هو أن إسرائيل ستستغل فرصة الذكرى السنوية لإظهار القوة أو التدخل في فعاليات الذكرى التي يخطط حزب الله لإقامتها.

منظمة حزب الله نفسها تستعد لإحياء الذكرى السنوية بفعاليات خاصة في جميع أنحاء معاقل دعمها. التوقعات هي أن الفعاليات ستكون ضخمة وستخدم ليس فقط كتخليد لذكرى نصر الله، ولكن أيضاً كعرض لقوة المنظمة واستمرار قدرتها على حشد الجماهير رغم الضربات القاسية التي تلقتها في العام الماضي.

تعقيد الوضع ينبع من كون نصر الله أصبح رمزاً يتجاوز حدود حزب الله نفسه. شخصيته تُنظر إليها من قبل كثيرين من الشيعة في لبنان وخارجه كرمز للمقاومة ضد إسرائيل والغرب، وموته جعله نوعاً من القديس لمؤمنيه. هذا الواقع يخلق تحدياً معقداً لخليفته نعيم قاسم، المضطر للمناورة بين الحاجة لاحترام ذكرى سلفه والحاجة لترسيخ مكانته كزعيم مستقل.

صعوبة قاسم في ملء الحذاء الكبير لنصر الله تعبر عن نفسها ليس فقط في فجوة الشعبية، ولكن أيضاً في الصعوبات العملياتية التي تواجهها المنظمة. حزب الله يواجه ضغوطاً داخلية وخارجية ثقيلة، والقيادة الجديدة مضطرة للتنقل بين توقعات عالية من جانب المؤيدين وقيود عملية في واقع الميدان.

حقيقة أن هتافات "تحت أمرك نصر الله" تستمر في الانطلاق في المظاهرات تشهد على أنه في نظر كثيرين، القيادة الروحية والرمزية للمنظمة لا تزال في أيدي الميت، بينما القيادة العملية تواجه التحديات اليومية. هذا الوضع يخلق ديناميكية معقدة قد تؤثر على قدرة حزب الله على العمل بفعالية في الفترة القادمة.

العام الذي مر منذ اغتيال نصر الله أثبت أنه رغم قتل جسده، فإن تأثيره الروحي والرمزي أقوى من أي وقت مضى. النضال على إرثه مستمر، والسؤال هو ما إذا كان خليفته سينجح في النهاية في الخروج من ظله الطويل وترسيخ قيادة مستقلة، أم أن شخصية نصر الله ستستمر في الهيمنة على المنظمة في السنوات القادمة أيضاً.

تصوير: Joseph EID / AFP