ديم أمور
تحولت الأزمة الدبلوماسية الحادة بين تركيا وإسرائيل، التي بدأت في أعقاب التوتر الإقليمي منذ 7 أكتوبر 2023، بسرعة إلى أزمة اقتصادية كبيرة للبلدين. خلق تجميد العلاقات الدبلوماسية ووقف التجارة المباشرة موجات صدمة في اقتصادي البلدين، لكن التأثيرات تبين أنها مختلفة بشكل جذري في حجمها وطبيعتها.
في النصف الأول من عام 2025، اتضحت الصورة الكاملة للضرر الاقتصادي: بينما فقدت تركيا مصدر دخل مهم ولكنه هامشي نسبياً لاقتصادها الواسع، تعرضت إسرائيل لضرر ملحوظ في قطاعات رئيسية اعتمدت على استيراد تركي واسع.
تكشف البيانات الحادة مدى كون الرابط الاقتصادي بين البلدين كان أحادي الجانب في الأساس. انهار التصدير الإسرائيلي إلى تركيا بنسبة 99% مقارنة بالفترة المقابلة من العام الماضي، بينما تراجع الاستيراد من تركيا بنسبة 70%. هذه الأرقام تكشف صورة واضحة عن الاعتماد الاقتصادي الإسرائيلي على السوق التركية في مجالات حاسمة للاقتصاد.
شُعر بالتأثير المباشر على الاقتصاد الإسرائيلي بشكل رئيسي في قطاعين مركزيين. في مجال البناء، الذي يُعتبر محرك نمو حاسماً في الاقتصاد الإسرائيلي، كان الاعتماد على المواد الخام التركية مهماً بشكل خاص. حوالي 35% من الإسمنت والنحاس والفولاذ التي وصلت إلى سوق البناء الإسرائيلية مصدرها تركيا. في قطاع الزراعة، كان الاعتماد أقل ولكن لا يزال مهماً، حيث وصل 10-15% من الفواكه والخضروات في السوق الإسرائيلية من تركيا.
خلق الحصار المفاجئ لهذه مصادر الإمداد في البداية تأخيرات وعدم يقين واسع في صناعة البناء. أبلغ المقاولون عن صعوبات في الحصول على المواد الخام، خاصة الإسمنت والفولاذ، مما هدد بتأخير المشاريع ورفع تكاليف البناء في الاقتصاد. في الوقت نفسه، خلق النقص المؤقت في الفواكه والخضروات ضغوطاً على الأسعار في الأسواق المحلية.
لكن النظام الاقتصادي الإسرائيلي أظهر مرونة نسبية. نجحت الحكومة، بالتعاون مع المستوردين الخواص، في تحويل مصادر الإمداد إلى بلدان بديلة في وقت قصير نسبياً. أصبحت اليونان ومصر وقبرص مصادر إمداد رئيسية لمواد البناء، بينما ملأت دول أخرى في شرق البحر المتوسط النقص في الفواكه والخضروات.
لم يمر الانتقال إلى مصادر إمداد بديلة دون ثمن. خلقت تكاليف النقل الأعلى وأوقات الشحن الممتدة وتعقيد الخدمات اللوجستية لتطوير سلاسل إمداد جديدة ضغوطاً إضافية على قطاعات كانت تواجه بالفعل ارتفاع الأسعار. من الناحية الاقتصادية الكلية، اضطرت إسرائيل إلى استثمار موارد كثيرة في تحويل مصادر التجارة وتطوير علاقات تجارية جديدة، مما خلق شعوراً بالهشاشة الاقتصادية وعدم الاستقرار.
من الصحيح القول أن التأثير على الاقتصاد التركي تبين أنه مختلف من الناحية الجوهرية. رغم أن تركيا فقدت سوق تصدير بحجم يُقدر بحوالي ثلاثة مليارات دولار سنوياً – مبلغ وضع إسرائيل بين أكبر خمس شركاء استيراد رئيسيين لتركيا قبل الأزمة – إلا أن اقتصاد تركيا يعتمد على تصدير أوسع بكثير، أولاً وقبل كل شيء إلى دول أوروبا وروسيا ودول أخرى في الشرق الأوسط.
من الناحية النسبية، شكل حجم التجارة مع إسرائيل حوالي 2% فقط من إجمالي الصادرات التركية ونصف بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي. أي أنه بينما تكبدت شركات تركية محددة في مجالات الحديد والفولاذ والزراعة خسائر حقيقية وضرراً في فرص العمل، بقي التأثير الاقتصادي الكلي على أنقرة محدوداً نسبياً.
من وجهة نظر تركيا، تضاءل الضرر الاقتصادي المحدود أمام المكسب السياسي في الساحة الإقليمية والداخلية. حظيت الإجراءات ضد إسرائيل بدعم واسع من الجمهور التركي المؤيد للنضال الفلسطيني، مما عزز المكانة السياسية للرئيس أردوغان. من الناحية الاستراتيجية، نجحت تركيا في تقوية مكانتها كدولة رائدة في العالم الإسلامي وزيادة نفوذها الإقليمي.
في مجال السياحة، الصورة أكثر تعقيداً من الادعاءات الشائعة حول ضرر حاد. منذ 7 أكتوبر 2023، ظهرت تقديرات بأن تركيا تشهد انخفاضاً جذرياً في السياحة، خاصة بسبب غياب الإسرائيليين. لكن بيانات السلطات التركية ترسم صورة مختلفة.
في عام 2024، سجلت تركيا في الواقع رقماً قياسياً بحوالي 52.6 مليون زائر أجنبي وإيرادات بحجم 61.1 مليار دولار، وهو رقم يشهد على استمرار قوة جذب الوجهة التركية رغم التوتر الإقليمي. في عام 2025 يلاحظ بالفعل انخفاض معتدل: بين يناير ويوليو سُجل انخفاض بحوالي 2.1% في عدد الزوار مقارنة بالفترة المقابلة من العام الماضي. في يوليو 2025 سُجل تراجع بحوالي 5%، مع 6.97 مليون زائر مقابل 7.33 مليون في يوليو 2024.
الادعاء بضرر مباشر بحجم جذري بسبب الانخفاض في عدد الإسرائيليين غير مدعوم بالبيانات الرسمية. رغم أن تدفق السياح من إسرائيل تضرر في أعقاب الأزمة الدبلوماسية، إلا أن الحديث يدور حول سوق لا يشكل العمود الفقري للسياحة التركية. في المقابل، تشكل روسيا وأوكرانيا أسواقاً أكثر أهمية بكثير، وتحديداً هنا الصورة معقدة. إلى جانب انخفاضات في مناطق معينة، أُبلغ عن زيادة 22% في عدد الزوار من أوكرانيا في أنطاليا في 2025.
من الناحية الاقتصادية، استمرت الإيرادات من السياحة في تشكيل أحد محركات النمو في تركيا. رغم التقلبات في عدد الزوار، في النصف الأول من 2025 أُبلغ عن زيادة إجمالية بحوالي 9% في كمية الزوار إلى جانب قفزة بأكثر من 100% في الإيرادات من الخدمات المصاحبة. المعنى هو أن السياحة ربما تتراجع كمياً، لكنها تتقوى نوعياً واستهلاكياً.
الصورة الناشئة من الأزمة الاقتصادية بين تركيا وإسرائيل هي عدم تماثل واضح. نجحت إسرائيل في كبح القفزة الحادة في الأسعار من خلال التوجه السريع إلى أسواق بديلة، لكنها دفعت ثمناً اقتصادياً أعلى في شكل عدم كفاءة والاعتماد على مواد خام حيوية وتقويض استقرار سلاسل الإمداد. من ناحية أخرى، رغم أن تركيا فقدت إيرادات تصدير بحجم مليارات الدولارات، إلا أن هذا الضرر بقي هامشياً نسبياً لأبعاد اقتصادها الواسع.
الاستنتاج المتبادر هو أن الأزمة أنتجت نوعين مختلفين من الضرر: تركيا فقدت رأس مال، بينما إسرائيل فقدت الاستقرار.
الرسوميات: MAAKAV
















