اللغة العربية

يائير غولان: ديكتاتور متخفٍ في زيّ ديمقراطي؟

غولان ضد رايخرت: الرجل الذي يعظ بالديمقراطية يرفع دعوى بقيمة 300 ألف شيكل بسبب كاريكاتور ساخر
Green and Cream Floral Watercolor Anniversary Card (1)

بقلم ديم أمور

يظهر يائير غولان كشخصية عامة تعمل بعكسٍ تام للمبادئ التي يدّعي الدفاع عنها. الرجل الذي يقدّم نفسه كمقاتل شرس من أجل الديمقراطية وحرية التعبير، هو بالذات من يعتدي عليها اعتداءً جسيماً. غولان، الذي بنى صورته الجماهيرية كمدافع عن حرية المواطن، يختار استخدام أدوات قضائية ثقيلة لتقييد منتقديه وإرهاب كل من يجرؤ على السخرية منه برسوم كاريكاتورية.

في الخامس والعشرين من أيار/مايو 2025، نشر رسّام الكاريكاتير أور رايخرت رسماً ساخراً يسخر من غولان. في فعلٍ كان يُفترض أن يكون نموذجاً واضحاً لحرية الإبداع والتعبير الديمقراطي، تلقّى رايخرت دعوى مدنية بقيمة ثلاثمائة ألف شيكل قدّمها ضده غولان نفسه. وهكذا، الرجل الذي يتظاهر بالنضال من أجل الحرية، يستعمل سلطته وموارده ليضرب أساس الحرية – أي حرية التعبير.

حرية التعبير، حجر الزاوية في أي نظام ديمقراطي، هي الضمانة الوحيدة لسيادة القانون، الشفافية والرقابة العامة. من دونها لا يمكن أن تقوم ديمقراطية حقيقية. فهي الآلية التي تتيح للمواطن إبداء رأيه، حتى لو كان قاسياً أو مخالفاً لرأي الأغلبية؛ وهي الأداة التي تمكّن من توجيه نقد لاذع لأصحاب السلطة؛ وهي الدرع الواقي من استبداد الأغلبية وإسكات الأقليات. وبدونها قد تنزلق المجتمعات إلى أماكن لا يُسمح فيها إلا بتمجيد السلطة، ويُقمع فيها كل صوت نقدي حتى الصمت.

في دولة كإسرائيل، بتعدديتها الاجتماعية والثقافية والسياسية، ليست حرية التعبير ترفاً بل ضرورة وجودية. فهي التي تضمن أن يتمكّن كل قطاع وكل جماعة وكل فرد من إسماع صوته. والتقييد على هذا الحق ليس مجرد انتهاك شخصي، بل هو ضرب مباشر في صميم النظام الديمقراطي.

مع ذلك، وعلى الرغم من جميع شعاراته، نشر يائير غولان في 24 آب/أغسطس تصريحاً رسمياً جاء فيه:
"قدّمت دعوى تشهير بقيمة 300 ألف شيكل ضد أور رايخرت، إذ إن منشوراته تشكّل أيضاً تحريضاً سافراً. لقد دفعنا ثمناً باهظاً جداً نتيجة مثل هذا التحريض – ويبدو أن محيط نتنياهو لم يتعلم شيئاً. يجب أن نحارب آلة السمّ هذه، وسندحرها من بيننا بكل الأدوات المتاحة لدينا. من يحرّض ويسمّم – سيدفع الثمن".

هذه الكلمات تجسّد جوهر النفاق: الرجل الذي يتحدث بإسهاب عن الحرية والديمقراطية، يتضح أنه مستعد لاستعمال قوته لقمع النقد الفني. ليست هذه حرباً على التحريض – بل حرب على حرية الإبداع.

يتباهى غولان بأنه حامل لواء "المعسكر الليبرالي-الديمقراطي"، لكن في الواقع يثبت أنه متسامح فقط مع من يوافقونه الرأي. أمّا الرأي المخالف أو الكاريكاتور اللاذع؟ فوراً يلوّح بدعوى قضائية تعسفية. هذه ليست رؤية ديمقراطية – بل تشويه خطير للمفاهيم الأساسية.

إضافة إلى ذلك، تبدو شخصية غولان السياسية كالحرباء المتقلبة. فهو يغيّر مواقفه بوتيرة مذهلة – تارةً ليبرالي صارخ، وتارةً متطرف معتدل – كل ذلك وفق مقتضيات اللحظة. وفي غياب الثبات ونزاهة الموقف، يفقد الجمهور ثقته بالقيادة وبالخطاب السياسي. وبدلاً من أن يكون قدوة في الاستقامة، يتضح أن غولان يتخفى بزيّ الضمير الأخلاقي، بينما يهدم في الواقع أسس الديمقراطية ذاتها.

توجّهنا إلى أور رايخرت، فأفاد بأنه لم يتسلم بعد لائحة الدعوى، وبالتالي لا يستطيع التعليق على جوهر القضية. وأضاف أنه عند استلام الوثائق والتشاور مع محاميه، سيصدر بياناً منظماً لوسائل الإعلام.

يُذكر أن يائير غولان – نائب رئيس الأركان السابق ورئيس حزب "الديمقراطيين" – يقدّم حركته كبديل سياسي واسع للمعسكر الليبرالي-الديمقراطي في إسرائيل. ويصرّح بأن حزبه "مصمم على إعادة الأمن والأمل". غير أن الفجوة بين الشعارات والفعل كبيرة: من يتظاهر بأنه يقود نضالاً من أجل الحرية، يشارك في الواقع في انتهاك مباشر لهذا الحق الأساسي.

الرسالة الحادة المستخلصة من هذا الحدث واضحة وبسيطة: الديمقراطية لا تحتاج إلى قادة يرفعون شعارها كلاماً فارغاً، بل إلى أشخاص يجسّدونها في أفعالهم. حرية التعبير ليست ورقة سياسية – بل أساس لا غنى عنه. ومن يعلن نفسه حامياً للديمقراطية بينما يقوّضها بأفعاله، لا يحميها بل يهددها من الداخل. وهكذا يتكشف يائير غولان ليس كناطق باسم الحرية، بل كرمز للتناقض القاتل بين الشعارات الجميلة وواقع القمع والإسكات.

امتنع يائير غولان عن الرد على توجه هيئة "معكاف".

الصورة: من الصفحة الرسمية لغولان على فيسبوك، استخدام وفق المادة 27أ