ديم أمور
نشر بنك إسرائيل في مارس 2026 التقرير السنوي لعام 2025 – وهو وثيقة شاملة تستعرض حالة الاقتصاد الإسرائيلي في عام تميّز باستمرار القتال منذ أكتوبر 2023 وتداعياته الاقتصادية الواسعة. ويعرض التقرير صورة معقّدة لاقتصاد يعمل في ظل حالة طوارئ ممتدة، حيث يُظهر قدرة نسبية على الصمود، لكنه في الوقت ذاته يعاني من تآكل تدريجي في أسسه.
وبحسب المعطيات، سجّل الاقتصاد الإسرائيلي في عام 2025 نمواً بنسبة 2.9%، وهو تحسّن ملحوظ مقارنة بنسبة 1% فقط في عام 2024. كما أظهر الناتج في القطاع التجاري تعافياً، مع ارتفاع بنسبة 3.2%. ومع ذلك، لا يزال معدل النمو أقل من الاتجاه طويل الأمد، ويُعزى ذلك بدرجة كبيرة إلى قيود حادة في جانب العرض في سوق العمل.
ويشير التقرير إلى نقص واسع في اليد العاملة، ناتج جزئياً عن التعبئة الواسعة لقوات الاحتياط، إضافة إلى غياب العمال الفلسطينيين. وقد أدّت هذه الظروف إلى نشوء سوق عمل «ضيّق»، يتميّز بانخفاض معدلات البطالة إلى جانب ضغوط كبيرة على الأجور، ما أثّر على نشاط القطاع الخاص وعلى وتيرة التعافي العام.
في جانب الأسعار، سُجّل تباطؤ نسبي: بلغت نسبة التضخم في عام 2025 نحو 2.6% ودخلت ضمن النطاق المستهدف، بعد أن تجاوزته في بعض أشهر السنة. ووفقاً للتقرير، يعود هذا التباطؤ إلى مزيج من السياسة النقدية المقيّدة، وتعزيز قيمة الشيكل، وتراجع علاوة المخاطر المرتبطة بإسرائيل. وفي الوقت ذاته، حافظ بنك إسرائيل طوال معظم العام على سعر فائدة مرتفع نسبياً عند مستوى 4.5%، ولم يبدأ بخفضه تدريجياً إلا في نهاية العام – إلى 4.25%، ثم إلى 4% في يناير 2026.
إلى جانب الاستقرار على المستوى الكلي، يسلّط التقرير الضوء على الكلفة الباهظة للحرب. إذ يُقدَّر الضرر التراكمي للناتج المحلي منذ بدايتها بنحو 8.6% من الناتج، أي ما يعادل حوالي 175 مليار شيكل. وعند النظر إلى هذه الأرقام من زاوية رفاه المواطنين، فإن الخسارة تصل إلى نحو 35 ألف شيكل للفرد في المتوسط خلال الفترة.
كما شهدت الساحة المالية العامة تعقيداً ملحوظاً. فقد انخفض العجز في الميزانية إلى مستوى 4.7% من الناتج، لكنه لا يزال مرتفعاً مقارنة بالمستويات التي سادت قبل الحرب. وفي المقابل، ارتفعت نسبة الدين إلى الناتج إلى 68.5%، وهو ما يعكس زيادة واضحة ويثير مخاوف بشأن استمرار اتجاه توسّع الدين.
ويشير التقرير إلى أن خفض العجز تحقق أساساً من خلال زيادة الضرائب وتقليص النفقات، إلا أنه يحذّر من أن العجز الهيكلي لا يزال أعلى من المستوى المطلوب لاستقرار نسبة الدين. وهذا يعني أنه من دون اتخاذ إجراءات إضافية، هناك خطر من استمرار ارتفاع الدين في السنوات المقبلة.
بالتوازي، أظهرت المنظومة المالية وأسواق رأس المال أداءً إيجابياً نسبياً. فقد ارتفعت أسعار الأسهم، وتوسّع حجم الائتمان، وظلّت المخاطر المالية عند مستويات منخفضة نسبياً. وتعكس هذه المعطيات عودة جزئية لثقة المستثمرين، وذلك أيضاً على خلفية تراجع حدّة القتال خلال العام.
ومع ذلك، يبرز التقرير سلسلة من التحديات الهيكلية طويلة الأمد. ومن بينها انخفاض إنتاجية العمل، والحاجة إلى زيادة معدلات المشاركة في سوق العمل لدى بعض الفئات، إضافة إلى ضرورة الاستثمار المكثف في البنية التحتية ورأس المال البشري. وتكتسب هذه القضايا أهمية إضافية في ظل التطورات التكنولوجية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، الذي من المتوقع أن يؤثر على هيكل سوق العمل ومتطلبات المهارات في المستقبل.
إضافة إلى ذلك، يشير التقرير إلى تغيّر في ميزان الهجرة. ففي عامي 2024-2025 سُجّل اتجاه سلبي، مع ارتفاع عدد الإسرائيليين الذين يغادرون البلاد. ويُعدّ هذا التطور ذا انعكاسات محتملة على سوق العمل، وعلى الطلب على الإسكان، وكذلك على معدلات النمو المستقبلية.
وفي هذا السياق، ينعكس وضع سوق الإسكان بشكل غير مباشر من خلال الظروف الاقتصادية العامة وأنماط الطلب. وتتعزّز التقديرات بأن العقارات التي تتضمن غرفة محصّنة (مَمَد) تحظى بطلب أعلى، في ظل الواقع الأمني القائم، رغم أن التقرير لا يقدّم تقديراً كمّياً مباشراً للفجوات السعرية. ومع ذلك، فإن تغيّر أنماط الطلب بحد ذاته يعكس تكيّف الأسر مع المخاطر الأمنية المستمرة.
خلاصة القول، يصف تقرير بنك إسرائيل لعام 2025 اقتصاداً يحافظ على قدر من الاستقرار النسبي حتى في ظل حرب طويلة الأمد، لكنه يفعل ذلك بثمن اقتصادي واجتماعي كبير. وإلى جانب مؤشرات التعافي، يشير التقرير إلى تآكل تراكمي والحاجة إلى خطوات استراتيجية بعيدة المدى – سواء في المجال المالي أو في مجالات التشغيل والإنتاجية والاستثمار في رأس المال البشري – لكبح اتجاهات المخاطر وضمان الاستقرار الاقتصادي في السنوات المقبلة.

















