ديم أمور
خلال اليومين الأخيرين، تبلورت في الساحة الإقليمية والدولية صورة معقّدة لكنها متّسقة: فقد واصلت إسرائيل والولايات المتحدة ممارسة ضغط عسكري وسياسي واقتصادي منسّق على إيران، في حين اضطرت طهران إلى مواجهة استنزاف متراكم في قدراتها، إلى جانب استمرار إطلاق النار والتهديدات والتصعيد الإقليمي. وعلى الرغم من أن المعركة لم تُحسم بعد، فإن تطورات المرحلة أشارت إلى ترسّخ اتجاهات تدل على تعميق الضرر الذي يلحق ببُنى النظام الإيراني وتزايد عزلته دولياً.
على الساحة الإسرائيلية، سُجّل اتساع إضافي في نمط الضربات نحو عمق طهران، مع تركيز لم يعد يقتصر على البنى العسكرية التقليدية، بل شمل أيضاً آليات السيطرة التابعة للنظام. فقد استهدفت الضربات مراكز قيادة أجهزة الأمن الداخلي، ووزارة الاستخبارات، ومقارّ قوات الباسيج، إلى جانب إضعاف الحواجز والمنظومات التي تهدف إلى الحفاظ على قبضة النظام على السكان. ويعكس هذا التحوّل تغيّراً في المفهوم العملياتي، بحيث لم يعد الاستهداف يقتصر على منظومات التهديد المباشر، بل يمتد إلى قدرة النظام على الاستمرار في أداء وظائفه.
تصوير: جيش الدفاع الإسرائيلي
بالتوازي، أشارت تقديرات أمنية أميركية إلى تراجع في وتيرة إطلاق الصواريخ الإيرانية مقارنة بالأيام الأولى من المواجهة، وإلى أضرار تراكمية في منظومات القيادة واللوجستيات والسيطرة. وعلى الرغم من استمرار إطلاق النار وتصريحات التصعيد الصادرة من طهران، فإن الصورة العامة تعكس ضغطاً متواصلاً يهدف إلى تقييد قدراتها العملياتية. ويُنظر إلى وتيرة الضربات المرتفعة التي تحافظ عليها إسرائيل والولايات المتحدة باعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع لاستنزاف التهديدين الباليستي والنووي.
على المستوى الأميركي، جرى الحفاظ على خط سياسي صارم، حيث قُدّمت العمليات باعتبارها امتداداً للجهود الرامية إلى منع تعاظم القدرة النووية الإيرانية. وإلى جانب النشاط العسكري، اتُّخذت أيضاً إجراءات أمنية مدنية، شملت تعليق خدمات قنصلية اعتيادية في القدس. وفي الوقت ذاته، قُدّرت الكلفة العسكرية الأميركية خلال الأسبوع الأول بمليارات الدولارات، وهو رقم يعكس حجم الانخراط والوزن الاستراتيجي الذي توليه واشنطن لهذه المواجهة.
تجاوزت تداعيات الحرب الإطار العسكري، وألقت بظلالها بقوة على أسواق الطاقة والتجارة الدولية. فقد أدت اضطرابات إمدادات النفط في الخليج والمخاوف من المساس بممرات الملاحة الرئيسية إلى صدمة اقتصادية واسعة، عزّزت التصور الدولي لإيران بوصفها عاملاً مهدداً للاستقرار. كما أبرزت التوقعات بانخفاض كبير في العرض العالمي من النفط إمكان حدوث اضطراب غير مسبوق، ما جعل الأزمة محور قلق عالمي.
في أوروبا، سُجّل تصعيد في الخطاب السياسي والإجراءات الدبلوماسية ضد طهران. فقد عبّرت قيادة الاتحاد الأوروبي عن إدانة حادة للأفعال المنسوبة إلى إيران، وشدّدت على ضرورة وقف برامجها النووية والباليستية، وأقرت عقوبات إضافية على جهات مرتبطة بالنظام. وتعكس هذه الخطوات توجهاً نحو تشديد العزلة السياسية والاقتصادية، حتى وإن لم تترجم إلى مكاسب عسكرية مباشرة.
في اليابان، طُرح موقف حذر لكنه ناقد، مع التأكيد على أن تطوير سلاح نووي إيراني أمر غير مقبول. وفي الوقت ذاته، أُعرب عن القلق من تقلبات حادة في الأسواق المالية نتيجة التصعيد، ما يبرز التأثير الواسع للمواجهة على الاقتصاد العالمي. كما ظهرت في دول أخرى من منطقة آسيا والمحيط الهادئ استجابات عملية، مثل اتخاذ خطوات للإفراج عن احتياطيات الوقود أو الاستعداد لاضطرابات الإمدادات، وهو ما يعكس تصوراً متزايداً لإيران كمصدر خطر استراتيجي.
في الصين، ركّز الخطاب الرسمي على الدعوة إلى وقف القتال ومنع التصعيد، غير أن آثاراً اقتصادية ملموسة برزت بالتوازي. فقد أظهرت الإشارة إلى أهمية الاستقرار في مضيق هرمز والاستعداد لاضطرابات سلاسل التوريد أن حتى الدول غير المنخرطة في خط مؤيد لإسرائيل ترى في المواجهة عاملاً مزلزلاً لسوق الطاقة.
في كندا، برز تقارب سياسي وأمني حول ملف إيران، إذ تصدّر الموضوع جدول أعمال لقاءات دولية. وفي الوقت ذاته، أثّرت تقلبات أسعار النفط على أسواق المال، وعُزّزت الإجراءات الأمنية تحسباً لاحتجاجات مرتبطة بالحرب. وتشير هذه التطورات إلى اتساع نطاق تأثير المواجهة خارج الشرق الأوسط.
في المقابل، تبنّت روسيا خطاً سياسياً معاكساً، مطالبة بوقف العمليات العسكرية وواصفة الإجراءات ضد إيران بأنها غير قانونية. وقد اعتُبر الاصطفاف العلني دفاعاً عن طهران مؤشراً إلى الضغط الاستراتيجي المفروض عليها، حتى من دون تحقيق إنجاز إسرائيلي معلن.
في أفريقيا، برزت بصورة أساسية التداعيات الاقتصادية للأزمة، لا سيما في ظل ارتفاع أسعار النفط والحاجة إلى تحديث تقديرات المخاطر. وعلى الرغم من عدم تسجيل خطوات سياسية موحّدة جديدة، فإن الاتجاهات عكست عمق التأثير العالمي للتصعيد المرتبط بإيران.
في خلاصة التطورات الأخيرة، تتشكّل صورة لضغط متعدد الأبعاد على النظام الإيراني: تعميق الضربات على مراكز السيطرة، زيادة الانخراط الأميركي، تشديد العقوبات والرسائل السياسية في أوروبا، وتداعيات طاقوية واقتصادية واسعة في آسيا وأوقيانوسيا وأميركا الشمالية. ومن منظور مؤيد لإسرائيل والولايات المتحدة، تبدو إيران أكثر عزلة وهشاشة وضغطاً — لكنها لم تُهزم بعد، إذ يستمر إطلاق النار والتهديدات والتصعيد بالتوازي مع جهود الاستنزاف.
الصورة: AP

















