اللغة العربية

ترامب، غرينلاند والانهيار الدولي

بين القرم وغرينلاند: روسيا توظّف طموحات ترامب لتعميق الشرخ بين الولايات المتحدة وأوروبا، وتقويض حلف الناتو، وتصوير الغرب كطرف يشرعن الضم والقوة الجيوسياسية
98562

إن النقاش الدائر حول طموحات رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب بشأن غرينلاند لا يجري في فراغ. فهو محمّل بسياقات تاريخية وجيوسياسية وذهنية عميقة، وفي مقدمتها السابقة التي أرستها روسيا عام 2014 بضمّ شبه جزيرة القرم وبسط سيطرتها على نحو 20 في المئة من أراضي أوكرانيا. وبالنسبة لفاعلين في الساحة الدولية، بمن فيهم الكرملين، فإن المنطق ذاته حاضر هنا: إذا كان الاستيلاء على الأراضي بالقوة أو تحت ضغط سياسي يحظى بتسامح دولي، فلماذا لا يصبح ذلك مشروعاً في ساحات أخرى أيضاً؟

عندما ضمّت روسيا القرم ودعمت السيطرة على مقاطعتي دونيتسك ولوهانسك، شمل الرد الدولي إدانات حادّة وفرض عقوبات، غير أنّه عملياً لم تُتخذ خطوات أدّت إلى تراجع روسي أو إلى تغيير جوهري في السياسة. بقي مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مشلولاً، ولم تُحدث العقوبات، رغم تأثيرها الاقتصادي، تغييراً في الواقع على الأرض. وفي نظر أطراف مختلفة، بما في ذلك القيادة الروسية، تبلورت رسالة واضحة: النظام الدولي عاجز عن فرض قواعده الأساسية بنفسه.

في هذا السياق، تتابع روسيا عن كثب الأزمة المتصاعدة بين إدارة ترامب والدنمارك حول غرينلاند، وتستثمرها بشكل منهجي لخدمة مصالحها. فبالنسبة لموسكو، يشكّل التوتر بين الولايات المتحدة وأوروبا، ولا سيما داخل حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، فرصة استراتيجية لتعميق الاستقطاب وإضعاف الجبهة الغربية الموحّدة في مواجهتها.

وخلال المؤتمر الصحافي السنوي لعرض حصيلة عمل وزارة الخارجية الروسية لعام 2025، تطرّق وزير الخارجية سيرغي لافروف مباشرة إلى قضية غرينلاند. ورداً على سؤال حول ما إذا كانت روسيا تشكّل تهديداً للجزيرة، وكيف يمكن مقارنة أفعالها في أوكرانيا بالاستعمار، قال لافروف إن روسيا «لا تملك أي خطط بشأن غرينلاند»، وإن الأمر «شأن داخلي يخصّ الناتو والدنمارك». ثم عرض سردية مألوفة مفادها أن روسيا «تطوّرت دائماً عبر توحيد الشعوب والحفاظ على ثقافاتها»، على عكس الغرب، واعتبر ضمّ القرم والتدخل في دونباس «تجسيداً لحق تقرير المصير» وليس عملاً استعمارياً.

وفي هذه التصريحات، أقام لافروف مقارنة مباشرة، وإن كانت ضمنية، بين غرينلاند وشبه جزيرة القرم. وأكد أنه إذا كانت الولايات المتحدة مخوّلة بالاستناد إلى اعتبارات الأمن القومي لتبرير محاولة شراء غرينلاند أو السيطرة عليها، فلا سبب لاعتبار روسيا حالة استثنائية عندما تصرّفت بشكل مماثل في القرم — ولا سيما، بحسب زعمه، في ظل إجراء استفتاء هناك اختار فيه السكان الانضمام إلى روسيا. وفي الوقت نفسه، لم يفوّت لافروف فرصة توجيه انتقاد للدول الأوروبية، مشيراً إلى دعمها لحق سكان غرينلاند في تقرير مصيرهم، مقابل رفضها الاعتراف بحق مماثل لسكان دونباس أو القرم.

وإلى جانب المقارنة المباشرة، يسلّط الكرملين الضوء على ما يصفه بـ«العيوب الداخلية» في حلف الناتو. فمن وجهة نظر موسكو، يتيح الصدام بين واشنطن وكوبنهاغن تصوير الولايات المتحدة — حتى في ظل قيادة ترامب — كقوة متغطرسة لا تحترم سيادة أقرب حلفائها. ولا يوجَّه هذا الخطاب إلى أوروبا فحسب، بل أيضاً إلى دول الجنوب العالمي، حيث تسعى روسيا إلى ترسيخ صورتها كقوة مناهضة للاستعمار، في مقابل تصوير الغرب كطرف لا يزال يتعامل مع الأراضي والشعوب بوصفها سلعة جيوسياسية.

كما تطرّق الرئيس فلاديمير بوتين نفسه إلى الطموحات الأميركية في غرينلاند. ففي مارس/آذار 2025، وخلال خطاب ألقاه في المنتدى القطبي بمدينة مورمانسك، قال إن الأمر «يتعلّق بقضية تخصّ دولتين محددتين»، لكنه حذّر من أن «عدم أخذ تصريحات ترامب على محمل الجد سيكون خطأً فادحاً». وذكّر بوتين بأن اهتمام الولايات المتحدة بغرينلاند يعود إلى القرن التاسع عشر، مؤكداً أن واشنطن ستواصل بشكل منهجي دفع مصالحها العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية في منطقة القطب الشمالي. ومع ذلك، أبدى تحفّظاً واضحاً عبر التعبير عن قلقه من تعزيز وجود الناتو في أقصى الشمال ومن انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف.

وتبدو المواقف الروسية، ظاهرياً، متناقضة. فمن جهة، لا يُفترض بموسكو أن ترحّب بتحوّل غرينلاند إلى قاعدة أميركية ضخمة في منطقة ذات أهمية حيوية لأمنها. ومن جهة أخرى، تُظهر تفهّماً بل وحتى قدراً من الانفتاح تجاه خطوات ترامب. ويكمن تفسير ذلك في حساب بارد للمصالح: فمن منظور الكرملين، فإن الضرر الذي قد يلحق بأوروبا وبحلف الناتو نتيجة تعميق الانقسام الداخلي يبدو أقل خطورة من الضرر المحتمل على روسيا، بل وقد يدرّ عليها مكسباً استراتيجياً واضحاً — ولا سيما طالما بقي ترامب في البيت الأبيض.

ويجدر التذكير بأن القطب الشمالي ذاته يُعدّ بالنسبة لروسيا أكثر أهمية من غرينلاند. فعلى مدى العقدين الماضيين، عزّزت موسكو بشكل دراماتيكي نشاطها العسكري في المنطقة، وأعادت فتح قواعد أُغلقت بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، ونشرت قوات دائمة مستفيدة من ذوبان الجليد. كما تمتلك روسيا أكبر أسطول كاسحات جليد في العالم — أكثر من 40 سفينة، منها ثماني سفن نووية — في حين لا تمتلك الولايات المتحدة حالياً سوى كاسحتي جليد عاملتين.

وفي هذا الواقع، يراقب الكرملين التصعيد في المواجهة بين ترامب والدنمارك، والمخاوف المتزايدة في أوروبا، ويرى فيها تطوراً يخدم أهدافه. ومن منظور روسيا، فإن السلوك الأميركي حيال غرينلاند لا يشكّل مجرد أزمة إقليمية، بل دليلاً إضافياً على التآكل العميق للنظام الدولي — تآكل تسعى إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة منه.

تم أخذ الصور من موقع Wikipedia.org ومن وكالة الأنباء Associated Press، ويجري استخدامها وفقاً لأحكام المادة 27أ من قانون حقوق المؤلف.