اللغة العربية

الحكومة غير مبالية بانتهاكات الأمن في القدس: اختراق غير مُراقَب إلى إسرائيل

يتسلّل فلسطينيون من دون رقابة، وعشرات الكيلومترات مكشوفة، وازدحامات قاتلة في المعابر، وتنسيق متعثّر بين أذرع المنظومة الأمنية - فيما لا تزال الحكومة حتى الآن من دون إغلاق الثغرات في القدس.
52525 (7)

ديم أمور

في 23 ديسمبر/كانون الأول 2025 نُشر تقرير حادّ لديوان مراقب الدولة، يتناول مدى فاعلية حاجز خط التماس والمعابر في نطاق “طوق القدس”. ويعرض التقرير صورة أمنية مركّبة ومقلقة تمسّ جوهر حماية عاصمة إسرائيل، والبلدات المحيطة بها، ودولة إسرائيل ككل. ويخلص التقرير إلى أن الحاجز، الذي أُقيم ليكون عازلاً مادياً وعملياتياً في مواجهة تسلّل منفّذي العمليات والمقيمين غير القانونيين، لا يوفّر استجابة متواصلة ومنتظمة وشاملة للتهديدات الأمنية الصادرة من المنطقة، وذلك رغم استثمار مليارات الشواقل على مدى سنوات وتراكم خبرة عملياتية واسعة.

وبحسب نتائج التدقيق، يستطيع فلسطينيون التسلّل إلى داخل إسرائيل من دون رقابة أو تفتيش في عدة مقاطع مركزية من مسار الحاجز في طوق القدس. ويؤكد التقرير أن هذا السيناريو ليس نظرياً فحسب؛ إذ إن منفّذي عمليات استغلّوا عملياً الثغرات وغياب حاجز متصل، كما حدث في العملية الدموية عند مفترق راموت في القدس في سبتمبر/أيلول 2025. ويبيّن التقرير أيضاً أن نحو 61% فقط من مسار خط التماس في طوق القدس محميّ بجدار أو سياج، بينما تبقى عشرات الكيلومترات الأخرى مكشوفة أو مفتوحة بالكامل. ويتعلق الأمر بمسار يمتد على عدة مئات من الكيلومترات، يمرّ جزء منه أيضاً في مناطق يهودا والسامرة، ولا يتطابق بصورة كاملة مع حدود الولاية البلدية للقدس. وإلى الشرق من الحاجز، خارج المسار، تبقى مساحات تقع ضمن نطاق الولاية القضائية للمدينة، ما يخلق تعقيداً أمنياً وتشغيلياً وقانونياً في آن واحد.

ويشدد التقرير على أن قلة المسارات في المعابر المختلفة تؤدي إلى ازدحامات مرورية ثقيلة، سواء للمشاة أم للمركبات. وهذه الازدحامات، كما ورد في التقرير، لا تمسّ نسيج الحياة فحسب، بل تشكّل أيضاً خطراً أمنياً واضحاً قد يحوّل المعابر إلى “مصيدة موت” في حالات الطوارئ أو عند وقوع حادث مفاجئ. وتشير البيانات التي جرى فحصها إلى أنه في معبر قلنديا، على سبيل المثال، يبلغ متوسط زمن انتظار المشاة نحو 80 دقيقة، فيما يصل متوسط انتظار المركبات إلى نحو 56 دقيقة. وفي عام 2022 عبر المعابر في طوق القدس نحو 135 ألف مشاة يومياً، وبين عامي 2018 و2022 سُجّل ارتفاع بنحو 53% في عدد العابرين، من دون مواءمة كافية لبنية المعابر التحتية.

وعلى الصعيدين التنظيمي والعملياتي، يشير التقرير إلى إخفاقات جسيمة في التنسيق وتوزيع المسؤوليات بين الجهات العاملة في المنطقة. فالتنسيق بين الشرطة والجيش الإسرائيلي وحرس الحدود وجهاز الأمن العام يعاني قصوراً، ولا توجد عقيدة تشغيل موحّدة ومنتظمة للحاجز والمعابر. ويقرر التقرير أن الشرطة تدير المعابر منذ نحو 20 عاماً من دون عقيدة تشغيل منظّمة، رغم مرور قرابة عقدين على مصادقة رئيس الحكومة على خطة صادرة عن مجلس الأمن القومي لتحويل إدارة المعابر إلى إدارة مدنية. وكان من المفترض أن تحدد هذه العقيدة قواعد ومبادئ وإجراءات ومسارات عمل واضحة، إلا أنه عملياً لم تُبلور ولم تُعتمد عقيدة شاملة مُلزِمة لجميع الأطراف.

ويضيف التقرير أن بعض المعابر التي تُدار من قبل الشرطة في طوق القدس تفتقر إلى قيادة ثابتة. فمن أصل 16 معبراً قائماً، لم يُعتمد رسمياً سوى قائدين اثنين. ويُفضي هذا الواقع إلى فجوات في القيادة والسيطرة، وصعوبة في الإدارة اليومية، وتراجع القدرة على الاستجابة للأحداث الاستثنائية، فضلاً عن فجوة بين مسؤولية الشرطة عن تشغيل المعابر وبين قدرتها على صيانتها وتطويرها ومواءمتها مع نمو أعداد العابرين.

ويتناول التقرير كذلك جاهزية القوات لسيناريوهات قصوى. فحتى أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 لم يكن لدى لواء القدس في الشرطة “تهديد مرجعي” و“سيناريو مرجعي” منظّمان يمكن على أساسهما الاستعداد عبر بناء قوة مناسب في طوق القدس. ولم تُعدّ أوامر الاستعداد لسيناريوهات محاكاة إلا بعد تلك الأحداث، واكتمل إعدادها في أغسطس/آب 2024. ومع ذلك، تفيد نتائج التدقيق بأن هذه الأوامر لا تتضمن استجابة عملياتية كاملة لمجمل المخاطر المحتملة.

وفي جانب القوى البشرية، يشير التقرير إلى نقص ملحوظ في عديد أفراد الحراسة المدنيين في معابر طوق القدس. ولم تستعد وزارة الأمن القومي والشرطة مسبقاً لهذا النقص، ومع اندلاع حرب “السيوف الحديدية” جرى استدعاء عدد كبير من الحراس للخدمة بموجب أمر طوارئ، ما أدى إلى تقليص إضافي في القوى البشرية المتاحة وإضعاف القدرة التشغيلية للمعابر. إضافة إلى ذلك، فإن تقليص قوام كتيبة “إيرِز” التابعة لسلاح الشرطة العسكرية منذ يونيو/حزيران 2023 أدى إلى أن الكتيبة تمكنت من تنفيذ نحو 69% فقط من المهام الموكلة إليها، بينما لم يُنفَّذ نحو 31% من المهام مطلقاً.

ويتضمن التقرير معطيات تعكس مستوى التهديد الأمني في المنطقة. ففي عام 2023 سُجّلت في طوق القدس 27 عملية قاتلة. وإلى جانب ذلك، وقعت 10 حوادث إطلاق نار باتجاه قوات الأمن، و412 حادثة إلقاء زجاجات حارقة، و98 حادثة عبوات ناسفة، و1,031 حادثة رشق بالحجارة. وفي الربع الأول من عام 2023 جرى ضبط 2,427 شخصاً من “المقيمين غير القانونيين” في طوق القدس، وفي الربع الأول من عام 2024 جرى ضبط 1,233. ويذكر التقرير أيضاً وجود فجوة كبيرة بين سجلات التسلّل لدى غرف مراقبة رصد الجيش وبين سجلات الشرطة المبنية على إعلانات وفق أمر “فرش توركي”، خلال الفترة بين يناير/كانون الثاني ومايو/أيار.

وتتناول المراجعة أيضاً جوانب البنية التحتية. فخلال نحو عقدين منذ إنشاء المعابر، جرى تطوير أربعة فقط من أصل 16 معبراً في طوق القدس، أي نحو 25% فحسب. ومنذ عام 2021 بدأ الاستثمار في توسيع أربعة معابر إضافية، لكن التقرير يشير إلى أن هذا التقدم غير كافٍ في ضوء الزيادة المستمرة في أعداد العابرين. كما أُشير إلى أن وزارة المواصلات قررت توسيع طريق بمحاذاة “معبر الأنفاق” من دون فحص تأثير ذلك على المعبر نفسه ومن دون تنسيق لإضافة مسارات، ما أسهم في خلق اختناقات تشكّل خطراً أمنياً على القوات العاملة في المكان وعلى مستخدمي الطريق.

ومن الناحية المالية، يذكر التقرير أن كلفة إقامة الحاجز في يهودا والسامرة، بما في ذلك حاجز طوق القدس، تبلغ نحو 8.3 مليارات شيكل. وعلى الرغم من هذه الاستثمارات، يقرر التقرير أن هناك فتحات في الحاجز تسمح بدخول مقيمين غير قانونيين من يهودا والسامرة إلى القدس، وأن الإخفاقات تتعلق بالحاجز ذاته وبطريقة تشغيل المعابر.

وقد أُجريت المراجعة بين يناير/كانون الثاني 2024 وفبراير/شباط 2025، وشملت فحصاً واسعاً لمسؤوليات وصلاحيات حرس الحدود في طوق القدس، والتهديد المرجعي والسيناريو المرجعي، وفاعلية الاستجابة العملياتية في الحاجز، وعقيدة تشغيل المعابر، وتباين القوى العاملة فيها، ومسائل الأمن والتفتيش، وملاءمة البنية التحتية للنمو السكاني، وتحويل إدارة المعابر إلى إدارة مدنية. ونُفذت المراجعة في الشرطة والجيش ووزارة الدفاع ووزارة الأمن القومي وجهاز الأمن العام ووزارة المواصلات ومكتب رئيس الحكومة ومجلس الأمن القومي وسكرتارية الحكومة وبلدية القدس، واستمرت الاستكمالات حتى يوليو/تموز 2025.

وفي فبراير/شباط 2025 نُقلت مسودة التقرير إلى رئيس الحكومة ووزير الدفاع ووزير الأمن القومي والجيش والشرطة للحصول على تعقيباتهم. وتلقت الجهة الرقابية ردود الجيش والشرطة في أبريل/نيسان ومايو/أيار 2025. غير أنه في 8 سبتمبر/أيلول 2025، وبعد انتهاء المراجعة، وقعت العملية الدموية عند مفترق راموت، حيث قُتل ستة إسرائيليين وأُصيب نحو عشرة آخرين. ونُفذت العملية على يد مسلحين من قرى فلسطينية في منطقة رام الله، ويؤكد التقرير أنه على خلفية نتائج المراجعة وهذا الحدث تتزايد الحاجة الملحّة لإصلاح الإخفاقات وتطبيق التوصيات.

وقررت اللجنة الفرعية التابعة للجنة شؤون مراقبة الدولة في الكنيست عدم وضع التقرير كاملاً على طاولة الكنيست، والاكتفاء بنشر أجزاء منه حفاظاً على أمن الدولة، وفقاً للمادة 17 من قانون مراقب الدولة. ورغم هذا القيد، يعرض التقرير المنشور قائمة طويلة من الإخفاقات المنهجية والعملياتية والتنظيمية.

وفي خلاصة الأمر، يقرر التقرير أن حاجز خط التماس والمعابر في طوق القدس يشكلان ركناً مركزياً في أمن سكان القدس ودولة إسرائيل، وأن حسن عملهما ضروري لمنع العمليات الإرهابية والتسلّل، ولضمان تقديم خدمات لائقة للإسرائيليين والفلسطينيين وسكان القدس الشرقية والطلاب. ومع ذلك، فإن الإخفاقات التي جرى العثور عليها تتعلق بتطبيق المسؤوليات والصلاحيات بين الجهات المختلفة، واستمرار وجود فتحات في الحاجز، والاستعداد الناقص للأحداث المفاجئة، وغياب عقيدة تشغيل منظّمة للمعابر. ويشدد التقرير على أن إصلاح هذه الإخفاقات مطلوب على وجه الاستعجال، مع تحقيق توازن بين متطلبات الأمن والحفاظ على نسيج الحياة، في ظل التهديدات الأمنية المستمرة والأحداث التي شهدتها الدولة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.

لقطة شاشة من تقرير مراقب الدولة، ويُسمح باستخدامها بموجب المادة 27أ من قانون حقوق المؤلف.