ديم عامور
بلدية حيفا، تحت إدارة رئيس البلدية يونا يهاف—المؤتمن أيضاً على حفظ الأموال العامة—أدارت إجراءات قانونية ضدي، انتهت بنتيجة محرجة بشكل خاص للبلدية. القاضية كاميلا جدعون ألغت الدعوى بشكل قاطع وقررت في حكمها: "بعد دراسة الطلب، وفي غياب رد من المدعية حتى اليوم وفقاً لقرار 19.08.2025، أأمر بإلغاء الدعوى". وعليه، من المناسب أن نسأل: كيف تُدار الأموال العامة في حيفا تحت قيادة يونا يهاف؟
قصة مستمرة لحوالي عام وصلت هذا الأسبوع إلى نهايتها الدراماتيكية، مع قرار المحكمة بإلغاء الدعوى التي رفعتها بلدية حيفا ضد الموقع أدناه – في أداء دوره الصحفي – وضد تحرير "معاكاف"، بمبلغ نصف مليون شيكل. هذه الدعوى، التي أثارت انتقاداً عاماً حاداً وعُرِّفت كـ"دعوى إسكات"، رُفعت إثر نشر تحقيق في تحرير "معاكاف"، كشف نشاط صيد الخنازير البرية في حدود مدينة حيفا وبيع لحومها خلافاً للقانون.
في 4 سبتمبر 2025 نشرت القاضية كاميلا جدعون حكمها النهائي. في قرار المحكمة تقرر صراحة أن بلدية حيفا على ما يبدو أظهرت ازدراءً للمحكمة ولم تحترم قراراتها، وعليه أُلغيت الدعوى. كما أكدت القاضية أنه رغم قرارها من 22 يوليو 2025، الذي ألزم البلدية بتقديم موقفها بشأن استمرار الإجراء، اختارت المدعية تجاهل أوامر المحكمة. النضال من أجل حرية التعبير أُدير بثبات وعزم – وحُسم في نهاية المطاف بانتصار حاسم في المحكمة.
الدعوى تمثل إهداراً صادماً للأموال العامة. بلدية حيفا دفعت آلاف الشواكل كرسوم محكمة ووظفت ليس أقل من 35 محامياً للتعامل مع القضية. كل هذا لمقاضاة صحفي كشف نشاطاً إشكالياً في إدارة الأموال العامة وسلامة السكان. الصحفي ديم عامور، الذي مثل نفسه في المحكمة، نجح في هزيمة نظام المحامين العملاق للبلدية.
بدأت القضية بتحقيق نشرته تحرير "معاكاف" وكشف ممارسات مقلقة في نشاط صيد الخنازير البرية في حيفا. التحقيق كشف أنه في إطار عملية "ترقيق" بادرت إليها بلدية حيفا، صُيدت الخنازير البرية دون تمييز – بما في ذلك الإناث الحوامل والخنازير الصغيرة. الاكتشاف الأكثر إثارة للقلق كان اكتشاف أن كيلوغراماً من لحم الخنزير البري يُباع بـ30 شيكلاً، مما حوّل العملية البلدية إلى عمل مربح للصيادين.
التحقيق كشف كيف وصل لحم لم يخضع لأي إشراف أو فحص بيطري إلى أطباق السكان، رغم أن بلدية حيفا نفسها ادعت أن الخنازير تحمل أمراضاً خطيرة مثل التولاريمية وبكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية. التحقيق أثار أيضاً أسئلة صعبة حول عمليات المناقصات والإشراف على المقاولين المستخدمين في نشاط الصيد.
في إطار التحقيق كُشفت شهادات مقلقة حول طريقة تنفيذ "الترقيق". لوحظ الصيادون يطلقون النار دون تمييز على الخنازير من جميع الأعمار، منتهكين الاتفاق مع سلطة الطبيعة والحدائق الذي ألزم التركيز على الخنازير المسنة والمريضة فقط. السكان أبلغوا عن إطلاق نار ليلاً وعن وجود صيادين ملثمين في مناطق مأهولة، مما أثار مخاوف أمنية.
رد بلدية حيفا على التحقيق كان حاداً. بدلاً من التعامل مع النتائج وتوضيح سلوكها، اختارت البلدية مقاضاة الصحفي وتحرير "معاكاف" بنصف مليون شيكل. الدعوى لقيت انتقاداً واسعاً كـ"دعوى إسكات" – محاولة لحجب النقد الصحفي من خلال الضغط الاقتصادي والقانوني.
في مذكرة الدفاع المقدمة في 10 أبريل 2025 عُرضت حجج مبدئية تتجاوز النزاع الملموس. ادُّعي أن الأمر يتعلق بدعوى إسكات واضحة، هدفها منع النقد العام الحر والإضرار بمبدأ حرية الصحافة. كما أُكد أن جميع المنشورات استندت إلى مصادر موثوقة ووثائق رسمية ومناقشات عامة جرت في الكنيست.
الدفاع أشار إلى أنه لا يوجد أي دليل على ضرر لحق بالبلدية من المنشورات، وأن مبلغ الدعوى سخيف وغير متناسب. كما ادُّعي أن مجرد استخدام الأموال العامة لتمويل دعوى هدفها إسكات صحفي هو خطير بحد ذاته ويتعارض مع المبادئ الديمقراطية الأساسية.
الحجج القانونية في الدفاع ركزت على الدفوع المعترف بها في قانون منع القذف: الصدق في النشر وحسن النية. الدفاع أكد أن الموضوع نوقش علناً في الكنيست، حيث حذر أعضاء كنيست مختلفون من نواقص خطيرة في إدارة الثروة الحيوانية في حيفا. عندما يُناقش الموضوع علناً في الكنيست، لا مكان لادعاء أن المنشورات الصحفية حول الموضوع تشكل قذفاً.
خلال الإجراءات القانونية انكشفت صورة محرجة لإدارة الأموال العامة في بلدية حيفا. البلدية دفعت رسوم محكمة، أنفقت عشرات آلاف الشواكل على أتعاب المحامين، وخصصت موارد واسعة لنضال قانوني كان هدفه الوحيد إسكات النقد الصحفي. كل هذا بدلاً من التعامل مع المشاكل المثارة في التحقيق وتحسين الإشراف على أنشطة البلدية.
القضية أثارت نقاشاً واسعاً حول استخدام دعاوى الإسكات ضد الصحفيين في إسرائيل. مصادر قانونية أشارت إلى أن الأمر يتعلق بظاهرة مقلقة حيث الهيئات العامة تستغل ميزة القوة الاقتصادية لديها لردع الصحفيين عن ممارسة النقد. استخدام الأموال العامة لتمويل مثل هذه الدعاوى يفاقم المشكلة ويخلق حافزاً منحرفاً للهيئات العامة.
سلوك بلدية حيفا خلال الإجراء القانوني لم يكن أقل إشكالية من الدعوى نفسها. من السلوك القانوني للبلدية يمكن الاستنتاج بوضوح أنها أظهرت ازدراءً للمحكمة ولم تحترم قراراتها. هذا التجاهل لأوامر المحكمة يعكس موقفاً مقلقاً تجاه النظام القضائي وتجاه قواعد اللعبة الديمقراطية.
في 22 يوليو 2025 أمرت القاضية كاميلا جدعون بلدية حيفا بتقديم ردها بشأن استمرار الإجراء. لاحقاً، في 19 أغسطس 2025، صدر قرار إضافي من المحكمة. رغم ذلك، اختارت البلدية تجاهل القرارات المتكررة – سلوك أدى في نهاية المطاف إلى إلغاء الدعوى.
طريقة العمل هذه تثير تساؤلات صعبة حول مدى الاحترام الذي تكنه البلدية للنظام القضائي وسيادة القانون. الامتناع عن تقديم رد لعدة قرارات يشكل تعبيراً عن ازدراء المحكمة، وإهدار الأموال العامة والإضرار بالوقت القضائي الثمين – وأكثر من ذلك في ضوء حقيقة أن بلدية حيفا هي التي بادرت للإجراء من البداية وعليه كانت ملزمة بالرد عليه.
القضية أمامنا توضح بشكل خاص الحاجة الحيوية لحماية حرية الصحافة من محاولات الإسكات. التحقيق الذي نشرته تحرير "معاكاف" تعامل مع قضايا عامة جوهرية من الدرجة الأولى: إدارة الأموال العامة، سلامة الغذاء، الإشراف على أعمال السلطات، إدارة المراكز الحضرية، حماية الحيوانات، وكذلك الإشراف على المقاولين نيابة عن البلدية. محاولة إسكات الصحفي الذي كشف هذه النواقص تشكل إضراراً مباشراً بحق الجمهور الأساسي في المعرفة.
التحقيق كشف ليس فقط مشاكل في إدارة نشاط الصيد وإنما أيضاً إخفاقات نظامية في الإشراف الحكومي. وزارة الزراعة امتنعت عن تحمل المسؤولية حول الموضوع ونقلت التعامل إلى سلطة الطبيعة والحدائق. من جهة أخرى، وزارة الصحة وجهت الأسئلة عائدة إلى وزارة الزراعة. دائرة نقل المسؤولية هذه خلقت وضعاً حيث لا جهة تحملت مسؤولية كاملة عن الإشراف والسلامة.
النتائج أثارت مخاوف صحية خطيرة. إذا كانت الخنازير فعلاً تحمل أمراضاً خطيرة كما ادعت بلدية حيفا، كيف يمكن أن يُباع لحمها للاستهلاك البشري دون أي إشراف؟ هذا السؤال بقي دون إجابة مهمة من السلطات. التحقيق كشف فشلاً نظامياً في الإشراف على سلامة الغذاء وعلى صيد الحيوانات.
بالإضافة إلى المخاطر الصحية المحتملة، كشف التحقيق أيضاً مخاوف ثقيلة الوزن في المجال الأمني. سكان حيفا أبلغوا عن إطلاق نار حي في مناطق مأهولة وعن وجود صيادين ملثمين. هذا الوضع قد يخدم كأرض مناسبة للاستغلال من قبل عناصر معادية، حيث يمكن للإرهابيين بسهولة التنكر كصيادين أبرياء. الأمر يتعلق بثغرة أمنية خطيرة، لا تحصل على رد مناسب وفحص جدي من السلطات المختصة.
التكاليف الاقتصادية لنشاط الصيد لم تُنشر كاملة، لكن التقديرات تتحدث عن مئات آلاف الشواكل أُنفقت من الميزانية العامة. إلى جانب ذلك، تكاليف الدعوى القانونية – رسوم المحكمة، أتعاب المحامين، ووقت عمل موظفي الخدمة العامة – أضافت عشرات آلاف الشواكل أخرى للحساب الذي يدفعه الجمهور. كل هذا لمحاولة إسكات صحفي كشف مشاكل عامة.
النتيجة النهائية للقضية تشكل انتصاراً مبدئياً لحرية الصحافة في إسرائيل. إلغاء الدعوى يرسل رسالة واضحة أنه لا يمكن استغلال النظام القضائي لردع الصحفيين عن إتمام رسالتهم. المحكمة أثبتت أنها تعرف ظاهرة دعاوى الإسكات ومستعدة للعمل ضدها.
أنا كصحفي، مثلت نفسي أمام نظام محامي بلدية حيفا (دون الاستعانة بمحامٍ)، أثبت أن الحقيقة وحسن النية يمكن أن تنتصر حتى على ميزة قوة كبيرة. هذا الانتصار ليس شخصياً فقط، وإنما يشكل إنجازاً مبدئياً لكل صحفي يناضل ضد محاولات الإسكات من قبل هيئات قوية.
القضية تؤكد أهمية الصحافة الاستقصائية المستقلة في حفظ المصالح العامة. تحقيق تحرير "معاكاف" نجح في كشف مشاكل مهمة لم تحصل على معالجة من السلطات ذات الصلة. دون النشر الصحفي، من المعقول افتراض أن المشاكل كانت ستستمر دون إشراف عام.
بالإضافة إلى نشر التحقيق (وفي ضوء موقف الناشطين غير المتساهل في حيفا)، حصل الموضوع على اهتمام في جلسة الكنيست العامة، حيث أثار أعضاء كنيست مختلفون أسئلة حادة بشأن السلوك البلدي. هذه المناقشات ساهمت في تعميق الوعي العام للقضية وطبقت ضغطاً حقيقياً على السلطات لتحسين آليات الإشراف والتطبيق. بذلك تجسد مثال واضح للدور الحيوي للصحافة ككلب حراسة الجمهور. وعليه، الأمر لا يتعلق بتحقيق شخصي أو بتعبير عن رأيي كصحفي فقط.
تداعيات القضية تتجاوز بكثير حدود النزاع المحدد بين بلدية حيفا والصحفي، وتثير سؤالاً مبدئياً حول حرية التعبير والصحافة. هذه القضية تخلق سابقة مهمة تقوي حماية حرية الصحافة في إسرائيل، وتشير للهيئات العامة أن عليها أن تفكر جيداً في خطواتها قبل أن تحاول إسكات النقد الصحفي من خلال دعاوى قانونية مكلفة ومخيفة.
القضية تدلل أيضاً على أهمية الدعم العام للصحافة المستقلة. تحرير "معاكاف" وأنا كصحفي نظهر شجاعة في الوقوف أمام ضغط ثقيل من هيئة عامة قوية. الدعم العام في مثل هذه الحالات هو شرط حيوي لتشجيع صحفيين آخرين على الاستمرار في إتمام رسالتهم العامة.
الحادثة تثير أيضاً أسئلة حول سلوك السياسيين المحليين في عصر الشبكات الاجتماعية والإعلام الرقمي. إمكانية الوصول للمعلومات وقدرة النشر السريع تتطلب مستوى شفافية ومسؤولية أعلى من الماضي. محاولات إسكات النقد تُنظر إليها أكثر وأكثر كغير مشروعة في أعين الجمهور.
يُذكر أن بلدية حيفا لم تكتف برفع الدعوى ضد الصحفي، وإنما أيضاً امتنعت عن إعطاء رد مباشر للأسئلة المثارة في التحقيق. هذا السلوك يعكس مشكلة أعمق في علاقة إدارة البلدية بالشفافية والمسؤولية تجاه الجمهور. الديمقراطية الصحية تتطلب أن تكون الهيئات العامة مستعدة للنقد وأن تكشف للجمهور المعلومات المتعلقة بسلوكها.
الانتصار في المحكمة هو فقط جزء من النضال الأوسع من أجل الشفافية والمسؤولية العامة. لكي يكون الانتصار مهماً حقاً، مطلوب متابعة مستمرة من الجمهور لسلوك السلطات ودعم الصحافة المستقلة. فقط من خلال الإشراف العام المستمر يمكن ضمان أن الخدمات العامة تُقدم بالمستوى المناسب.
سلوك البلدية في هذه الحادثة يوضح كيف يمكن إهدار الأموال العامة عندما تختار السلطات العامة العمل من أنا مجروحة، بدلاً من العمل من مسؤولية تجاه الجمهور. التكاليف الاقتصادية للإجراء القانوني هي فقط قمة جبل الجليد لمشكلة أوسع – عدم الاستعداد الحقيقي للتعامل مع النقد البناء والعمل لتحسين الأداء.
فعلاً، الجمهور الإسرائيلي يتمتع بحرية صحافة قوية نسبياً، لكن هذا الحق ليس مفهوماً ضمناً. سلوك البلدية في هذه الحادثة يذكرنا كم هو حيوي الحفاظ عليها، ودعم الصحفيين الذين يتحملون مخاطر شخصية لكشف حقائق ذات أهمية عامة. الانتصار في هذه الحادثة ليس فقط للصحفي، وإنما لكل مواطن يؤمن بأهمية الشفافية والمسؤولية العامة.
صورة يونا يهاف: من صفحة الفيسبوك الرسمية لرئيس البلدية، المسؤول عن سياسة القتل (الحيوانات)، الاستخدام يتم وفقاً للمادة 27أ من قانون حقوق الطبع والنشر















