ديم أمور
تقرير خاص: شهدت جبهات القتال بين روسيا وأوكرانيا ليلة عاصفة من المواجهات المتواصلة، في ظل موجة متبادلة من الهجمات بالطائرات المسيّرة أسفرت عن أضرار واسعة في البنى التحتية الحيوية، ودمار جسيم في مبانٍ سكنية، وسقوط أعداد من الضحايا في صفوف المدنيين. وبالتوازي مع التصعيد الميداني، تشير تقارير دبلوماسية إلى اتصالات معقدة تجري على أعلى المستويات لبحث إمكانية عقد قمة ثلاثية.
النيران في كراسنودار: استهداف مصفاة «إيلسكي» واندلاع حريق هائل
خلال ليلة 25 إلى 26 سبتمبر، شنت القوات الأوكرانية هجومًا مركزًا بالطائرات المسيّرة استهدف مواقع ذات أهمية استراتيجية في عمق الأراضي الروسية. وكان من أبرز الأهداف التي تعرضت لإصابة مباشرة مصفاة «إيلسكي» للنفط الواقعة في إقليم كراسنودار. وعقب الضربة، اندلع حريق ضخم داخل المنشأة، فيما أكدت هيئة الأركان العامة الأوكرانية إصابة الموقع.
وتُعد مصفاة «إيلسكي» واحدة من أبرز منشآت تكرير النفط وأكثرها أهمية استراتيجية في جنوب روسيا. وتضم المنشأة ست وحدات معالجة رئيسية، وتبلغ طاقتها التكريرية نحو 6.6 ملايين طن من النفط سنويًا. وتُستخدم منتجاتها، من بين أغراض أخرى، في تأمين الإمدادات المستمرة للقوات الروسية العاملة في ساحة القتال.
وليست هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها المنشأة للهجوم؛ فقد شكلت مصفاة «إيلسكي» مرارًا هدفًا للطائرات المسيّرة الأوكرانية، فيما وقع آخر هجوم موثق عليها في 8 أغسطس. ووفقًا لتقارير أولية من موقع الحادث، سُجل وقوع ضحايا، إلا أن عددهم الدقيق لم يُعلن رسميًا حتى الآن.
وفي الوقت نفسه، تتوالى تقارير غير مؤكدة بشأن هجوم آخر استهدف مصفاة «أفيبسكي» للنفط، الواقعة هي الأخرى في إقليم كراسنودار، غير أن هذه المعلومات لا تزال في انتظار تأكيد رسمي.
كما سُجلت أضرار وخسائر بشرية في مناطق روسية أخرى. وأفاد مسؤولون روس بسقوط قتيلين وإصابة ما لا يقل عن خمسة أشخاص جراء ضربات بطائرات مسيّرة أوكرانية خلال الليل في منطقتي روستوف وبيلغورود.
هجمات روسية على كييف وزابوريجيا وخاركيف وخيرسون
على الجانب الآخر، واصلت القوات الروسية شن ضربات استهدفت مواقع مدنية ومباني سكنية ومنشآت تجارية في أنحاء مختلفة من أوكرانيا:
- منطقة كييف: في ساعات الفجر، هاجمت القوات الروسية مركز الأعمال «بروتاسوف»، الذي يضم مركز البيانات التابع لشركة «كوسمونوفا». وأفادت قناة «كييف نوفيني» على تطبيق تلغرام بأن الهجوم أدى إلى انقطاع خدمة الإنترنت عن عدد من عملاء إحدى شركات تقديم الخدمة. وفي حادث منفصل، أصابت طائرة روسية مسيّرة نفاثة مبنى سكنيًا في المنطقة، ما أسفر عن إصابة أربعة أشخاص.
- زابوريجيا: أودى هجوم روسي دامٍ بحياة شخصين. وتواصل فرق الإنقاذ والطوارئ العمل في الموقع لرفع أنقاض مبنى دُمر بالكامل، فيما تعرض سوق محلي في المنطقة أيضًا لقصف كثيف.
- خاركيف: أُصيب أربعة أشخاص جراء هجمات بطائرات مسيّرة. وتسببت الضربات في أضرار جسيمة بمبنى سكني مكون من طابقين، كما أدت إلى اشتعال النيران في عدد من المركبات.
- منطقة خيرسون: وفقًا لبيانات الإدارة العسكرية الإقليمية، قُتل مدني واحد وأُصيب ثلاثة آخرون خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية. وقصفت القوات الروسية منشآت حيوية واجتماعية، كما لحقت أضرار بخمسة منازل خاصة وعدد من المركبات.
اتصالات سياسية وتوتر دبلوماسي
بالتوازي مع التصعيد العسكري على الأرض، برزت تطورات دبلوماسية لافتة عقب تقارير تحدثت عن لقاء عُقد في نيويورك بين الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
ووفقًا للتقارير الأولية، حاول ترامب إقناع زيلينسكي بالموافقة على عقد اجتماع ثلاثي في موسكو، بمشاركته ومشاركة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. كما زعمت التقارير أن زيلينسكي رفض الاقتراح بشكل قاطع، وسط استياء في محيطه من المبادرة، مع إبداء استعداد مبدئي للمشاركة في قمة ثلاثية شريطة عقدها في دولة محايدة، مثل الإمارات العربية المتحدة أو تركيا أو سويسرا.
غير أن مسؤولين شددوا على ضرورة التعامل بحذر شديد مع تفاصيل هذه التقارير. فقد نفى مكتب زيلينسكي أن يكون ترامب قد اقترح عقد الاجتماع في موسكو.
أما الأمر الذي جرى تأكيده، فهو أن الأطراف ناقشت بالفعل إمكانية عقد اجتماع ثلاثي. وفي تقارير أخرى تناولت الاتصالات الدبلوماسية، برز اسم أبوظبي بوصفها أحد الخيارات المحتملة والواقعية لاستضافة الاجتماع.
وتجري هذه الاتصالات على خلفية محاولات أميركية للدفع نحو ما يُعرف بـ«هدنة الطاقة» — وهي صيغة تقضي بوقف متبادل للهجمات التي تستهدف منشآت البنية التحتية للطاقة. وأشار زيلينسكي إلى أن أوكرانيا مستعدة، من حيث المبدأ، للنظر في خطوة من هذا النوع، فيما ترى واشنطن فيها أيضًا وسيلة محتملة لتخفيف الضغوط على أسواق الوقود العالمية.
تداعيات أوسع: أسواق الطاقة العالمية والسياق الإقليمي
تحمل الضربات المنهجية التي تستهدف منشآت تكرير النفط في روسيا تداعيات مباشرة على أسواق الوقود العالمية. فالإضرار بقدرات التكرير يختلف عن استهداف آبار النفط، إذ يؤدي بصورة مباشرة إلى تقليص القدرة على إنتاج المشتقات النفطية المكررة، وفي مقدمتها الديزل والبنزين ووقود الطائرات.
وبحسب تقارير وكالة رويترز، سجلت أسعار الديزل العالمية ارتفاعات إلى مستويات قياسية، في ظل اضطرابات الإمدادات الناجمة عن الصراعات في الشرق الأوسط والهجمات التي تستهدف منشآت تكرير النفط الروسية.
وخلال الأشهر الأخيرة، اضطرت موسكو إلى التعامل مع تراجع صادرات المنتجات النفطية وتصاعد الضغوط في السوق المحلية، إلى حد بحث فرض قيود إضافية على صادرات الديزل وزيادة واردات الوقود في محاولة لتحقيق الاستقرار في السوق.
وبالنسبة إلى الأسواق الدولية — ومن بينها الاقتصاد الإسرائيلي — فإن ارتفاع أسعار المنتجات النفطية المكررة، ولا سيما الديزل، ينعكس بصورة مباشرة على تكاليف النقل البري والصناعة والزراعة، كما يزيد من حدة الضغوط التضخمية.
وفي ساحة الشرق الأوسط، تواصل روسيا الاحتفاظ بوجود عسكري في سوريا. كما أفادت تقارير خلال سبتمبر باستئناف الإمدادات إلى المنشآت الروسية في طرطوس وحميميم، في إطار الترتيبات الجديدة بين موسكو ودمشق.
ومع استمرار الحرب في أوكرانيا في استنزاف موارد موسكو واهتمامها الاستراتيجي، تتأثر قدرتها على المناورة في ساحات بعيدة، فيما تواصل أسواق الطاقة العالمية امتصاص الصدمات الناجمة عن استمرار العمليات القتالية وتداعياتها.
الصورة: AP















