ديم أمور
جيب خارج عن السيطرة مقابل مقر الكنيست
منذ ما يقارب ثلاث سنوات ونصف، تشهد المنطقة الواقعة في قلب السلطة الحاكمة في إسرائيل، قبالة مبنى الكنيست ووزارة المالية، واقعًا غير مسبوق يثير تساؤلات جدية حول سيادة القانون. فقد سيطرت مجموعة احتجاجية محسوبة على معسكر اليسار على مساحة عامة مركزية، وحولتها إلى «مدينة خيام» دائمة، محصنة ومجهزة بشكل متكامل. وبينما يمر أعضاء الكنيست ورئيس الحكومة يوميًا عبر ساحة الكنيست في طريقهم إلى البرلمان، ترسخت في الموقع بنية سكنية كاملة تمتد لمسافة تُقدَّر بين 100 و150 مترًا.
المتظاهرون في الموقع، الذين يطالبون بإقالة رئيس الحكومة، وإقامة نظام سياسي جديد، وفتح تحقيق واسع في أحداث السابع من أكتوبر، يكررون منذ فترة طويلة أن «الديمقراطية غير موجودة في إسرائيل». غير أن الواقع الميداني يرسم صورة مختلفة تمامًا: فاستمرار هذا المعسكر غير القانوني في قلب العاصمة، من دون تطبيق فعلي للقانون أو تدخل حاسم من السلطات، يُعد في نظر منتقديه دليلًا على مستوى استثنائي من التسامح السياسي، وصل — بحسب وصفهم — إلى حد الإضرار بأسس النظام العام.
بنية تحتية كاملة داخل «مدينة الخيام»
لا يتعلق الأمر باعتصام مؤقت أو مظاهرة عابرة، بل بمجمع سكني متكامل يؤثر بصورة واضحة على المشهد الحضري في القدس. فالجولة داخل الموقع تكشف عن تجهيزات واسعة تشمل أجهزة تدفئة، وثلاجات، ومخزنًا مخصصًا للطعام، ومكيفات هواء، وجهاز مياه من نوع «تامي 4»، وأسرّة، وفرشات، ومنصة ثابتة، إضافة إلى غرفة اجتماعات مرتجلة.
كما تثير البنية التحتية للمكان تساؤلات حول مصادر الكهرباء والمياه المستخدمة فيه. ووفقًا للادعاءات المطروحة، فإن بعض الناشطين يقومون بالاتصال مباشرة بأعمدة الإنارة العامة للحصول على الكهرباء بصورة غير قانونية. وتشير شهادات إلى أن بلدية القدس حاولت في بداية الأمر منع هذه الممارسات والتصدي لاحتلال الأرصفة، إلا أن الوضع بقي قائمًا حتى اليوم.
أما المياه، فيُقال إنها تصل مباشرة من أنابيب الري التابعة لساحة الكنيست، والمخصصة أساسًا لري النباتات.
إلى جانب الأضرار الاقتصادية والجمالية، يثير الوضع مخاوف تتعلق بالسلامة العامة وإمكانية وصول ذوي الإعاقة. فبسبب احتلال الأرصفة، يجد مستخدمو الكراسي المتحركة والمكفوفون أنفسهم مضطرين للنزول إلى شارع مزدحم من أجل المرور، ما يشكل خطرًا حقيقيًا على حياتهم.
هل تخشى بلدية القدس المواجهة؟
تشير إفادات جُمعت من داخل الموقع إلى أن الاحتجاج يُدار بصورة منظمة ودائمة. ويعمل في المكان حارس يُعتقد أنه يتقاضى أجرًا، إلى جانب ممثل عن المحتجين يقول إنه يعمل «بصفة تطوعية» ويحضر بانتظام إلى نوبات المساء والليل منذ أكثر من ثلاث سنوات.
كما هاجم بعض النشطاء وسيلة الإعلام «Maakav»، معتبرين أنها وسيلة إعلام يمينية تمنح مساحة لمردخاي دافيد، وهو ما اعتبره التقرير مؤشرًا على أن نشاط المؤسسة الإعلامية معروف جيدًا حتى داخل معسكر الاحتجاج نفسه.
ويطرح التقرير تساؤلًا لافتًا: في أي دولة ديمقراطية في العالم يمكن إقامة مدينة خيام دائمة أمام مبنى البرلمان من دون إزالتها؟ ففي واشنطن، أو بروكسل، أو برلين، يصعب العثور على سابقة مشابهة لمعسكر احتجاج دائم بهذا الحجم أمام المؤسسات السيادية للدولة.
ووفقًا لأحد ممثلي الاحتجاج، الذي تحدث دون تصوير، فإن بلدية القدس «تتجنب المواجهة» لأن المتظاهرين — بحسب ادعائه — يقومون بقلب سيارات الشرطة أثناء محاولات الإخلاء أو فرض القانون.
الدعم الكامل ليائير غولان والتناقض مع الواقع
عندما سُئل سكان مدينة الخيام عن الجهة التي دعموها في الانتخابات الأخيرة، جاءت الإجابة واضحة: دعم كامل لحزب «الديمقراطيون» برئاسة يائير غولان. ووصفه بعضهم بأنه «رجل مبادئ وشجاعة، وضابط سابق في الجيش الإسرائيلي، وشخص يقول الحقيقة دائمًا».
هذا الارتباط السياسي العلني يخلق، بحسب التقرير، مفارقة واضحة، خاصة في ضوء تصريحات غولان الأخيرة حول «فرض النظام» و«إعادة هيبة الشرطة».
فقد صرّح غولان مؤخرًا:
«خلال عدة أشهر، عندما نستبدل الوزير الفاشل والمجرم، ستتغير سياسة الشرطة بالكامل: الشرطة ستتوقف عن ملاحقة المواطنين وستعود لحمايتهم. الأمن في الشوارع والحكم في النقب سيعودان. نحن، الديمقراطيين، سنتولى وزارة الأمن القومي، ونعيد تأهيل الشرطة الإسرائيلية، ونقضي على الجريمة والعنف والتسييس الذي أدخله بن غفير إليها».
ويرى منتقدوه أن هذه التصريحات تتناقض مع تجاهله — وفق ما ورد في المقال — لسلوك المجموعة الاحتجاجية المركزية الداعمة له، والتي يُقال إنها تخرق القانون بشكل يومي.
جدل سياسي وانتقادات سابقة من «Maakav»
يتزامن دعم سكان مدينة الخيام ليائير غولان مع سلسلة من الأزمات السياسية والإعلامية التي رافقت نشاطه العام.
فقد أثار غولان عاصفة سياسية حادة بعد تصريحه، خلال انتقاده للحكومة والحرب في غزة، بأن «الدولة العاقلة لا تقتل الأطفال كهواية». وأضاف أن إسرائيل تسير نحو التحول إلى «دولة منبوذة بين الأمم».
وقد أثارت هذه التصريحات موجة واسعة من الغضب في الساحة السياسية. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هاجم غولان بشدة، كما أدان وزراء وأعضاء كنيست من الائتلاف والمعارضة تصريحاته. في المقابل، دافع أنصاره عنه مؤكدين أن انتقاداته كانت موجهة للحكومة وليس للجيش الإسرائيلي.
وفي وقت لاحق، أوضح غولان أنه لا يهاجم جنود الجيش الإسرائيلي، الذين وصفهم بـ«الأبطال»، وإنما ينتقد القيادة السياسية وسياساتها.
كما أشارت «Maakav» إلى تحقيق سابق تناول مزاعم بأن غولان اتخذ خطوات اعتُبرت — بحسب التقرير — ماسة بحرية التعبير، بعد رفعه دعوى تشهير ضد رسام كاريكاتير بسبب عمل ساخر. وقد أثارت القضية آنذاك نقاشًا واسعًا حول حدود حرية الصحافة والتعبير السياسي.
وأضاف التقرير أن «Maakav» توجهت إلى غولان قبل نشر التحقيق للحصول على رد رسمي، إلا أن الرد لم يصل حتى موعد النشر، رغم وعود المتحدث باسمه بإرسال تعليق رسمي.
بين حق الاحتجاج وسيادة القانون
في نهاية المطاف، تطرح مدينة الخيام المقامة أمام الكنيست سؤالًا واسعًا داخل المجتمع الإسرائيلي حول التوازن بين حرية الاحتجاج وتطبيق القانون.
فحق التظاهر يُعد من المبادئ الأساسية في أي نظام ديمقراطي، غير أن ممارسة هذا الحق — وفق ما يؤكد منتقدو المعسكر — يجب ألا تتم على حساب حقوق الآخرين أو عبر السيطرة على الممتلكات العامة والبنية التحتية للدولة.
وبحسب ما ورد في المقال، فإن استمرار مدينة الخيام في العمل دون إزالة، رغم الجدل القانوني والسياسي المحيط بها، يعكس حالة استثنائية أثارت انقسامًا واسعًا في الرأي العام الإسرائيلي.
وقد توجهت «Maakav» إلى بلدية القدس بطلب للحصول على رد رسمي، إلا أنه حتى موعد نشر التقرير لم يصدر أي تعليق من البلدية.













