ديم أمور
في خطوة ذات دلالات عميقة على الساحة الدولية، وقّع رئيس أوكرانيا، فولوديمير زيلينسكي، على تعديل واسع النطاق للقانون الجنائي في بلاده، ينصّ للمرة الأولى على مسؤولية جنائية محددة عن مظاهر معاداة السامية. وقد حظيت هذه الخطوة بتقدير كبير من قبل جهات رسمية في إسرائيل، وتُعدّ نقطة تحوّل في مسار أوكرانيا في مواجهة جرائم الكراهية وترسيخ قيم التسامح داخل المجتمع الأوكراني.
ورحّب وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، بهذه الخطوة، مؤكدًا أهميتها: «أُعرب عن تقديري للرئيس فولوديمير زيلينسكي ولأوكرانيا على التعديلات التي أُدخلت على القانون الجنائي، والتي تفرض مسؤولية جنائية على مظاهر معاداة السامية. إن هذه التعديلات تمثّل خطوة مهمة وضرورية في مكافحة جرائم الكراهية، ولا سيما معاداة السامية، وتعكس التزام أوكرانيا بحماية حقوق الإنسان وترسيخ قيم التسامح».
تأخير غير مسبوق
على الرغم من أهميته العامة والقيمية، فإن مسار إقرار التشريع لم يخلُ من علامات الاستفهام. فقد أُقِرّ التعديل على القانون الجنائي في البرلمان الأوكراني — المجلس الأعلى الأوكراني (فيرخوڤنا رادا) — في 15 فبراير 2022، أي قبل أسبوع واحد فقط من الغزو الروسي واسع النطاق. غير أن توقيع الرئيس تأخر لفترة استثنائية بلغت أربع سنوات وشهرين، وهو تأخير يُعدّ سابقة لافتة في مثل هذه الإجراءات التشريعية، إذ ظلّ القانون في مكاتب الرئاسة دون أن يدخل حيّز التنفيذ حتى وقت قريب.
وكانت العملية التشريعية قد بدأت في فبراير 2021 مع تقديم مشروعَي قانون يتناولان منع معاداة السامية والتصدي لها. وفي حين تم اعتماد القانون الأساسي والتوقيع عليه في أكتوبر 2021، ظلّ التعديل الجنائي، الذي يعكس آليات التطبيق الفعلي، معلّقًا حتى الآن.
الإطار العقابي: من التقييد إلى السجن
تُرسّخ التعديلات مكافحة معاداة السامية ضمن المادة 161 من القانون الجنائي الأوكراني، التي تتناول انتهاك المساواة في الحقوق على أساس العرق أو الدين أو القومية. ويُحدّد القانون سلّمًا عقابيًا متدرجًا وفقًا لخطورة الجريمة:
المخالفات الأساسية: غرامة تتراوح بين 3,400 و8,500 هريفنيا، أو تقييد الحرية لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات.
المخالفات في ظروف مشدّدة (العنف، التهديد، أو ارتكاب الفعل من قبل صاحب منصب): غرامة أعلى (تصل إلى 17,000 هريفنيا) أو السجن الفعلي لمدة تتراوح بين سنتين وخمس سنوات، مع الحرمان من شغل مناصب معينة.
الجرائم ضمن إطار جماعة منظّمة: السجن لمدة تتراوح بين خمس وثماني سنوات.
تعريف الكراهية
يقدّم القانون تعريفًا مفصّلًا لمظاهر معاداة السامية المحظورة قانونًا، وتشمل:
إنكار حق الشعب اليهودي في تقرير المصير.
نشر الصور النمطية الزائفة وإلقاء المسؤولية الجماعية على المجتمع اليهودي.
إنكار المحرقة أو تبريرها.
الدعوة إلى العنف ضد اليهود.
أعمال التخريب وتدنيس المقابر والإضرار بالمواقع الدينية والمؤسسات العامة.
إنتاج وترويج الرموز والمضامين التي تحرّض على الكراهية.
البعد السياسي: «وطن قومي لكل يهودي»
في حين يُستقبل التشريع الأوكراني بترحيب كأداة قانونية داخل حدود الدولة، يُشدّد الخطاب العام في إسرائيل على أن مستقبل وأمن الشعب اليهودي لا يستندان إلى قوانين خارجية، بل إلى وجود دولة إسرائيل ذاتها.
وبصفتها دولة ذات سيادة وقوة اقتصادية وعسكرية، تضع إسرائيل حماية الشعب اليهودي في صدارة أولوياتها. ويُعدّ قانون العودة (1950) أحد الركائز الأساسية في هذا السياق، إذ يمنح كل يهودي الحق في الهجرة إلى إسرائيل والاستقرار فيها بوصفها الوطن القومي للشعب اليهودي.
ويكفل هذا القانون لكل يهودي، وكذلك لأبنائه وأحفاده وأزواجه، الحصول الفوري على الجنسية الإسرائيلية. كما أن وجود الدولة، إلى جانب قدراتها الدفاعية المتمثلة في جيش الدفاع الإسرائيلي، يشكّل ضمانة راسخة لعدم اعتماد اليهود على عوامل خارجية، بل تمتعهم بدولة قوية تجمع بين اقتصاد متطور وقوة عسكرية معتبرة.
ملاحظة
في عالم يُجبر فيه ملايين البشر على مغادرة ديارهم بحثًا عن ملاذ خارج حدود أوطانهم، تقف دولة إسرائيل كحقيقة تاريخية واضحة — وربما مُقلقة لخصومها — مفادها أنه لم يعد هناك، ولن يكون، لاجئون يهود بالمعنى الكلاسيكي.
ففي العديد من الدول، ومنها أوكرانيا، لا يحصل الشخص ذو الأصل القومي المعيّن، المولود خارج حدود الدولة، على جنسية تلقائية بمجرد انتمائه. أما إسرائيل، فتقدّم نموذجًا فريدًا واستثنائيًا، إذ يكرّس قانون العودة مبدأ واضحًا: اليهودي يظل يهوديًا بغض النظر عن مكان ولادته أو ظروف حياته.
وتفتح دولة إسرائيل أبوابها أمام كل يهودي وأفراد عائلته، وفقًا لأحكام قانون العودة، مانحةً إياهم وضعًا مدنيًا فوريًا، إلى جانب منظومة استيعاب متكاملة تشمل دعمًا اقتصاديًا ومرافقة اجتماعية ومساندة خلال سنوات الاستقرار الأولى. وفي الوقت ذاته، يوجد اعتراف خاص ومحدود بأشخاص غير يهود خاطروا بحياتهم لإنقاذ اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، وهم المعروفون بـ«الصالحين من بين الأمم»، والذين قد يحصلون في بعض الحالات على مكانة خاصة وإمكانية تسوية أوضاعهم في إسرائيل.
وفي واقع عالمي يواجه فيه كثير من اللاجئين تعقيدات بيروقراطية ويعتمدون أحيانًا على قرارات الدول المضيفة، تطرح إسرائيل عنوانًا واضحًا وحاسمًا لليهود في كل مكان. وبالنسبة لكثيرين، لا تمثّل مجرد كيان سياسي، بل ركيزة عميقة للهوية والأمن.
وفي نظر جهات معادية، على الأرجح، تجسّد هذه الحقيقة تحوّلًا تاريخيًا جذريًا: فالشعب اليهودي، الذي اضطر عبر الأجيال إلى الترحال والبحث عن ملاذ، رسّخ لنفسه سيادة وطنية مستقرة، أصبحت فيها الهوية القومية ليست سببًا للاضطهاد، بل مفتاحًا للأمن والحرية والاستمرارية.
تصوير: فولوديمير زيلينسكي (AP)؛ جدعون ساعر (موقع الكنيست)؛ تل أبيب — «Maakav».

















