ديم أمور
بين عامي 2016 و2017، وفي أقسام الأورام في المستشفى الحكومي "رمبام" بمدينة حيفا، كُشف عن واحدة من أخطر الفضائح الطبية في تاريخ إسرائيل. فقد تلقى ما لا يقل عن 5,400 مريض سرطان أدوية ألحقت بهم ضرراً مباشراً: أدوية منتهية الصلاحية، أدوية لا تتوافق مع البروتوكولات الطبية الإلزامية، أدوية بأرقام تشغيل مزورة، وحتى أدوية مفتوحة جرى خلطها بأخرى مستخدمة. هذا ما أكده الحكم القضائي الذي صودق عليه بتاريخ 15 حزيران/يونيو 2025.
الأرقام تكشف صورة مروعة: حتى عام 2020، وهو العام الذي رُفعت فيه الدعوى الجماعية، بقي على قيد الحياة فقط 2,700 مريض من أصل 5,400. أما النصف الآخر – 2,700 شخصاً – فقد فارقوا الحياة، ويرجّح أن جزءاً كبيراً منهم توفي بسبب العلاجات المسمّمة التي قُدمت لهم في مؤسسة يفترض أن تنقذ حياتهم.
القضية ظلت مخفية لسنوات عن المرضى والرأي العام، وتثير أسئلة خطيرة حول جهاز الصحة الإسرائيلي، نظام الرقابة، والمسؤولية الجنائية لمن كان يفترض بهم حماية حياة المرضى. تحقيق أجرته منصة "معكاف" كشف عن نمط ممنهج من إخفاء الحقائق، التهرب من المسؤولية، والتعتيم الإعلامي، حتى بعد صدور الحكم القضائي.
حكم قضائي وتسوية مثيرة للجدل
في 15 حزيران/يونيو 2025، أقرّت المحكمة اتفاق تسوية وُقع بتاريخ 4 كانون الأول/ديسمبر 2024. عملياً، لم يعترض المستشفى على الاتهامات، وبذلك أقرّ ضمناً بارتكاب المخالفات.
بموجب التسوية، وافق المستشفى الحكومي على دفع تعويض إجمالي قدره 16.2 مليون شيكل، لكن النيابة العامة أغلقت الملف الجنائي دون توجيه لائحة اتهام لأي شخص.
توزيع التعويضات عكس صدمة كبيرة:
• المرضى الذين ظلوا أحياء عند الكشف عن الفضيحة عام 2020 – وعددهم 2,700 – يحصل كل واحد منهم على 4,000 شيكل.
• عائلات المرضى المتوفين – وعددهم أيضاً 2,700 – لا تنال سوى 2,000 شيكل فقط عن كل حالة وفاة.
بمعنى آخر: حياة إنسان قُدّرت بمبلغ زهيد لا يتجاوز 2,000 شيكل (نحو 500 دولار).
في المقابل، يحصل 13 مدعياً جماعياً على مكافأة بقيمة 130,000 شيكل، بينما يقتسم سبعة مكاتب محاماة أتعاباً تبلغ 1.5 مليون شيكل.
إخفاء متواصل للمعلومات
رغم جسامة الفضيحة، لم يذكر الموقع الرسمي لمستشفى رمبام أي معلومة حول الحكم القضائي أو إعطاء أدوية منتهية الصلاحية. كما حُذف تحديث أُضيف إلى صفحة "ويكيبيديا" الخاصة بالقضية بعد يوم واحد فقط من نشره.
تحقيق "معكاف" أظهر أن المستشفى واصل سياسة التعتيم حتى بعد صدور الحكم، بل إن ممثلي السياحة العلاجية فيه أنكروا معرفتهم بالقضية أو بقرار المحكمة.
غياب المحاسبة وصدمة دولية محتملة
أكثر ما يثير الريبة هو أن النيابة العامة أغلقت الملف الجنائي في 2023، رغم وجود شهادات خطيرة من مسؤولين كبار في المستشفى تثبت علم الإدارة بما جرى في حينه.
إحدى النقاط الحساسة تتعلق بالمرضى الأجانب. فمستشفى رمبام يعالج سنوياً أكثر من 1,300 مريض من الخارج، غالبيتهم من روسيا وأوكرانيا، إلى جانب كازاخستان، أذربيجان، بيلاروس، الولايات المتحدة ومولدوفا. ورغم أن بعضهم تعرض للأدوية الفاسدة، لم يحصل أي منهم على تعويض، ولم تُخطَر دولهم رسمياً.
هذا الصمت يثير احتمال أزمة دبلوماسية إذا طالبت تلك الدول بتفسير رسمي، وقد يُنظر إلى التستر على أنه محاولة لإخفاء "جريمة طبية" ارتُكبت بحق مواطنيها.
قضية رمبام ترسل رسالة خطيرة: يمكن، على ما يبدو، تسميم آلاف المرضى في مؤسسة حكومية دون أن يتحمل أحد مسؤولية شخصية. التعويضات المالية ضئيلة، تُدفع من أموال دافعي الضرائب، بينما يستمر المستشفى في العمل كالمعتاد، ويستمر التعتيم على تاريخه القريب.
تحديث 22.08.2025:
أفادت شرطة إسرائيل بما يلي:
«السلام عليكم،
للرد على توجهكم يجب التوجّه إلى النيابة العامة.
مع الاحترام،
الناطق بلسان شرطة إسرائيل».
مصدر في الشرطة يؤكد مجدداً: «أجرينا تحقيقاً شاملاً، وكشفنا عن معطيات خطيرة، بل وأوصينا بتقديم لائحة اتهام – إلا أنّ النيابة اختارت إغلاق الملف. النسخة الرسمية للشرطة توحي بذلك أيضاً».



















