ديم أمور
قضية خطيرة وصادمة تثير عاصفة من ردود الفعل وقلقًا بالغًا في أوساط الجالية اليهودية وفي إسرائيل: يوناتان كارلينسكي (49 عامًا)، من سكان بيتار عيليت وأب لطفلة، يحمل الجنسية الإسرائيلية ولا يملك سوى تسجيل قنصلي أوكراني، اعتُقل داخل الأراضي الأوكرانية، ويُحتجز خلافًا لإرادته، كما جرى تجنيده قسرًا في صفوف الجيش الأوكراني.
الحادثة، التي تصفها جهات مختلفة بأنها جريمة وإخفاق قانوني وإنساني غير مسبوق، تثير تساؤلات بالغة الخطورة بشأن سياسات السلطات الأوكرانية وطريقة تعاملها مع القضية. وفي الوقت ذاته، تضع هذه القضية عزم دولة إسرائيل على المحك، ومدى استعدادها للتحرك من أجل تخليص مواطن إسرائيلي من قبضة نظام يتخذ بحقه إجراءات تعسفية وغير قانونية.
وتزعم السلطات في أوكرانيا أن كارلينسكي يحمل «جنسية مزدوجة»، غير أن هذا الادعاء مضلل من أساسه، وقد يؤدي إلى تضليل الجهات الحكومية في إسرائيل والرأي العام على حد سواء.
ومن الناحية القانونية، ثمة حاجة إلى توضيح قاطع لا لبس فيه: إن التسجيل القنصلي الأوكراني (Consular Registration) لا يشكل «جنسية مزدوجة»، ولا يمنح وضعًا قانونيًا يعادل الجنسية أو الإقامة. فهو ليس سوى آلية إدارية تهدف إلى تسجيل بيانات المواطن ومكان إقامته خارج حدود الدولة لدى السلطات القنصلية.
ولا يمنح التسجيل القنصلي بحد ذاته الجنسية، ولا ينشئ رابطة مواطنة إضافية، كما لا يمكن أن يشكل بديلًا عن إجراءات التجنّس القانونية. ووفقًا للقانون الأوكراني، فإن وضع الجنسية وإجراءات التسجيل القنصلي مسألتان قانونيتان منفصلتان تمامًا.
وعليه، فإن تقديم التسجيل القنصلي على أنه «جنسية مزدوجة» يجافي الحقيقة ويعرض صورة قانونية مشوهة. فالغرض من هذا التسجيل يقتصر على تنظيم علاقة المواطنين المقيمين خارج البلاد بالبعثات الدبلوماسية والقنصلية، وتسهيل حصولهم على الخدمات القنصلية.
وحتى على صعيد العلاقات الدبلوماسية بين القدس وكييف، يشكل هذا التمييز مسألة جوهرية: فالتسجيل القنصلي بحد ذاته ليس جنسية إضافية، ولا يمنح الجنسية، ولا يكسب صاحبه صفة الإقامة.
كارلينسكي، وهو من أتباع حسيدية بريسلوف، هاجر إلى إسرائيل وأصبح متدينًا بعدما سبق له أن خدم في الجيش الأوكراني. وكعادته في كل عام، سافر للمشاركة في التجمع السنوي الكبير لحسيدية بريسلوف خلال عيد رأس السنة العبرية «روش هاشانا» في مدينة أومان.
وفي طريق عودته إلى إسرائيل، وأثناء فحص وثائقه عند المعبر الحدودي بين أوكرانيا ورومانيا، تبيّن أن السلطات المحلية لا تزال تعتبره ملزمًا بالخدمة العسكرية. وعلى الفور، اعتقلته الشرطة العسكرية الأوكرانية، ومنذ ذلك الحين انقطع الاتصال المباشر به.
وبعد نحو أسبوع ونصف على اعتقاله، أفاد «اتحاد الجاليات اليهودية في أوكرانيا» (FJCU) بأن كارلينسكي نُقل إلى مركز احتجاز للمتهربين أو الفارين من الخدمة العسكرية في منطقة أوديسا.
ووفقًا للتقارير، تقرر إلحاقه بوحدة عسكرية في منطقة مدينة خاركيف للعمل بصفته مسعفًا أو ضمن الطاقم الطبي، وذلك نظرًا إلى معرفته الطبية والنقص الحاد الذي يعاني منه الجيش الأوكراني في الكوادر الطبية.
وحاولت الجالية اليهودية في البلاد العمل على إطلاق سراحه، إلا أن تلك الجهود اصطدمت بموقف متشدد من جانب السلطات، التي أوضحت أن «لا إعفاءات» من وجهة نظرها.
وفي أول تسجيل مصور حصري وصل إلى هيئة تحرير «أمس»، يظهر كارلينسكي داخل معسكر عسكري، وقد بدت عليه علامات الإرهاق والتعب.
ويقول كارلينسكي في التسجيل: «مرحبًا، أنا كارلينسكي يوناتان موشيه. أنا موجود حاليًا في مركز تجنيد تابع للجيش الأوكراني. يعاملونني هنا باحترام، لكنني لا أستطيع أداء الواجبات العسكرية بسبب معتقداتي الدينية التي لا تسمح لي باستخدام السلاح».
وكان أحد أقاربه ومحاميه، شلومو حداد، الذي يتولى معالجة القضية نيابة عن العائلة، على اتصال بالجهات المشاركة في جهود تقديم المساعدة.
وأفاد الاتحاد بأن كارلينسكي لن يتمركز في منطقة أمامية تشهد معارك مباشرة، بل في قاعدة خلفية تقع على مسافة عشرات الكيلومترات من خط المواجهة، حيث سيعمل ضمن الطاقم الطبي.
كما أُفيد بأنه جرى الاطمئنان إلى حالته وأنها مستقرة، وأنه حصل على طعام «كوشير» لأيام الأسبوع والسبت، إضافة إلى الطعام المخصص للوجبة التي تسبق صيام يوم الغفران «يوم كيبور» ولما بعد انتهاء الصيام، فضلًا عن كتاب للصلاة ومجموعة «الأنواع الأربعة» الخاصة بعيد العرش «سوكوت».
وجرى توفير هذه الاحتياجات بمساعدة مبعوث حركة «حباد» في أوديسا، الحاخام شنיאור فيغلر، والحاخام الأكبر لمدينة أوديسا وجنوب أوكرانيا، أبراهام وولف.
كما دحضت عمليات تحقق إضافية الادعاء الأولي الذي أفاد بأن كارلينسكي يستحق إعفاءً بموجب القانون الأوكراني باعتباره أبًا لستة أطفال، بعدما تبيّن أنه أب لطفلة واحدة فقط.
وقال الاتحاد في بيان رسمي: «إن امتلاك كارلينسكي معرفة طبية، إلى جانب النقص المتزايد الذي يعاني منه الجيش الأوكراني في كل فرد من الكوادر الطبية، جعلا الجيش في حاجة شديدة إليه في الوقت الراهن، ولذلك لا يستطيع إطلاق سراحه. فضلًا عن ذلك، سبق له أن خدم في الجيش قبل أن يصبح متدينًا ويهاجر إلى إسرائيل، ومن وجهة نظرهم فإنه ينتمي إليهم».
وتطرق رئيس الجاليات اليهودية في أوكرانيا، الحاخام مئير ستامبلر، إلى تعقيدات الوضع، قائلًا: «أوكرانيا تخوض حربًا بالغة الصعوبة في مواجهة عدو عدواني يضرب، منذ ما يقارب خمس سنوات، الناس والمباني والمدارس والمستشفيات وغيرها. يُقتل أشخاص كل يوم، ولذلك هناك نقص كبير في القوى البشرية. كل مواطن أوكراني مطلوب هنا، ولهذا لا يمكن الحصول على إعفاءات. وإذا أردنا مقارنة ذلك بإسرائيل، فكأن حماس وحزب الله اجتاحا البلاد ولم تنجح إسرائيل في صدّهما حتى بعد خمس سنوات. إنها حرب وجود بكل معنى الكلمة».
ومع ذلك، أضاف الحاخام ستامبلر: «أوكرانيا تفعل كل ما في وسعها، ونحن ممتنون جدًا لها على مراعاتها احتياجات أتباع جميع الديانات وكل جندي. كارلينسكي قال إنه، لأسباب دينية، لا يريد حمل السلاح، وقد استجابوا لطلبه وأسندوا إليه مهمة طبية. وربما نتمكن لاحقًا من دمجه في الحاخامية العسكرية التابعة للجيش الأوكراني».
وأعادت القضية، التي يتردد صداها على نطاق واسع حاليًا، إلى صدارة المشهد تحذيرات مبكرة لم تحظَ آنذاك إلا بقدر ضئيل جدًا من الاهتمام العام.
ففي 12 أغسطس/آب 2024، نشرت هيئة تحرير «معاكاف» تحقيقًا صحفيًا خاصًا حذّرت فيه الجمهور الإسرائيلي من الخطر الحقيقي الذي قد يواجه الإسرائيليين من حاملي الجنسية المزدوجة عند دخولهم الأراضي الأوكرانية في زمن الحرب.
وكشف فحص أجرته هيئة تحرير «معاكاف» أنها كانت، في ذلك الوقت، الوسيلة الإعلامية الوحيدة التي نشرت تحذيرًا صريحًا بشأن هذه القضية، وسلطت الضوء على الخطر الملموس المتمثل في الاعتقال، ومنع مغادرة البلاد، والخضوع لإجراءات التجنيد القسري من جانب السلطات الأوكرانية.
كانت إشارات التحذير واضحة منذ ذلك الحين: فقد وقعت حالات مماثلة في السابق، وكانت المعلومات المتوافرة تشير إلى أن أوكرانيا تواصل النظر إلى هؤلاء الإسرائيليين باعتبارهم مواطنين تابعين لها، تسري عليهم واجبات الخدمة العسكرية بصورة كاملة.
واليوم، تجسد قضية يوناتان كارلينسكي بصورة صارخة ومؤلمة تحقّق ذلك التحذير على أرض الواقع.
وقد وجهت هيئة تحرير «معاكاف» طلبًا رسميًا إلى المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية للحصول على رد، والاستفسار عن الخطوات التي تتخذها الدولة لحماية المواطن الإسرائيلي.
وحتى لحظة نشر هذا التقرير، لم تتلقَّ هيئة التحرير أي رد من وزارة الخارجية الإسرائيلية.

















